جوجل وفيسبوك ، هل يشجعان العرب على الانتحار والأجانب على الحياة ؟!

19 ديسمبر، 2019 • آخر المقالاتالإعلام الرقمي • المحرر(ة)

إذا كانت العربية هي لغتك الأولى أو المفضلة في البحث على جوجل وفيسبوك وحاولت الوصول إلى أسهل طرق الانتحار فإن الموقعين الشهيرين سيسهلان رحلتك  إلى الدار الآخرة، أما إذا كنت مستخدما للغة الانجليزية فإنهما سيحاولان إقناعك بالتشبث بالحياة !

أجريت التجارب بنفسي وطلبت من أصدقاء تكرارها من مواقعهم في مصر وبريطانيا والولايات المتحدة والإمارات وقطر وجاءت النتائج شبه متطابقة، فإذا بدأنا بجوجل وبحثت باللغة العربية عن “وسائل الانتحار”فستأتيك النتائج مباشرة، وربما يتصدرها موضوع يشرح أبرز طرق الانتحار، وتليه موضوعات عن أكثر وسائل الانتحار انتشارا وأسرعها نتيجة وأقلها ألما، ويعزز جوجل خياراته العربية بالموضوعات المصورة والفيديو.

وعند إجراء التجربة ذاتها على جوجل ولكن باللغة الانجليزية وسؤاله عن « suicidemethods » جاء في المرتبة الأولى موقع منظمة محلية لمكافحة الانتحار. وقدمت نسختا جوجل في الولايات المتحدة وبريطانيا خيارين لمكافحة الانتحار بدلا من خيار واحد، وجاءت في المرتبة الأولى منظمة غير حكومية بينما كان الخيار الثاني خدمة تقدمها المستشفيات الحكومية في بريطانيا والولايات المتحدة، بينما قدمت نسخة جوجل في كل من مصر والإمارات وقطر (باللغة الانجليزية) بيانات منظمة واحدة.

الأمر لا يختلف كثيرا في حالة فيسبوك، فإذا بحثت عن كلمة “انتحار”سيسارع الموقع بعرض المنشورات التي تتحدث عن تلك الفكرة، أما إذا استخدمت كلمة  ““suicide  فستكون النتيجة الأولى للبحث هي عبارة “هل تريد مساعدة” وإذا اخترت مساعدة فيسبوك فيحيلك إلى صفحة تشمل عدة خيارات منها أن تبعث برسالة خاصة إلى صديق أو أن تتصل بمنظمة محلية متخصصة في منع الانتحار أو أن يقدم لك الموقع بعض النصائح منها أن تتجنب الضغوط  والعزلة والقرارات المهمة.

الأمثلة السابقة  تثبت أن جوجل وفيسبوك في نسختيهما الانجليزية استجابا للدول والمؤسسات الغربية التي أدركت خطورة الانترنت في تشجيع المقدمين على الانتحار، فعدل الموقعان آليات البحث كي يساهما في مكافحة الانتحار، بينما لم يهتما بتعديل آليات البحث باللغة العربية ليكافح الموقعان الانتحار باللغة الانجليزية ولكن لا يقدمان نفس الخدمة باللغة العربية !

هناك خدمة يتيحها فيسبوك بلغات مختلفة ومنها العربية، حيث يوفر لمستخدميه خيار الإبلاغ عن الأفكار الانتحارية التي قد تنتشر على الموقع، ويمكن الإبلاغ باللغة العربية عبر الرابط .

ورغم تقديم فيسبوك هذه الخدمة، فمازال لديه الكثير ليقدمه كي يمنع انتشار أفكار الانتحار، فعلى سبيل المثال مازال فيديو انتحار الشاب من أعلى برج القاهرة متاحا على فيسبوك، بينما كان الموقع يستطيع حظره كما يحظر الكثير من الصور والمقاطع المصورة ويعاقب ناشريها.

ولعلك لاحظت أنك تقرأ على فيسبوك كثيرا من المنشورات التي تتحدث عن الانتحار، فهذا متعاطف مع منتحر وهذا يحمل الحكومة المسؤولية، وهؤلاء اختلفوا في وصف المنتحر بالبطل أو الشهيد أو الضحية أو الهارب، ولكن كم مرة أظهر فيسبوك أمامك معلومة عن الخدمة التي يقدمها بالإبلاغ عن أصحاب الميول الانتحارية ؟ أتوقع أنها لم تظهر ولو مرة واحدة.

ربما تقول إن فيسبوك يظهر لك ما ينشره أصدقاؤك وبالتال يفلا حرج على الموقع، ولكن هذا استنتاج حسن النية، فلو كانت قائمة أصدقائك تشمل خمسة آلاف شخص فأنت لاتقرأ ما يكتبه أو ينشره كل واحد منهم، وإنما تقرأ وتشاهد منشورات مجموعة منهم اختارها لك فيسبوك بحكم حسابات كثيرة يجريها الموقع من بينها الأشخاص والموضوعات التي تتفاعل معها أو التي يريدك فيسبوك وشركاؤه أنت تفاعل معها. كما أن الموقع يقدم لكم نشورات ويصفها بالإعلانات الممولة وأخرى بالمقترحة.

هناك دليل على أن اختيارات فيسبوك ليست دائما نزيهة، وهو واقعة شركة شركة كامبريدج أناليتكا البريطانية التي تواطأ معها فيسبوك وتلاعبا بطريقة ظهور المنشورات لدى خمسين مليون مستخدم أمريكي وأثر ذلك على آرائهم السياسية، مما أدى إلى حسم الانتخابات الرئاسية لصالح دونال دترامب، وهي القضية التي مازالت محل تحقيق بالولايات المتحدة وببريطانيا.

وهناك عامل آخر يساهم في نشر الموضوعات عن الانتحار، فعندما تنشر وصية المنتحر أو صورته أو سيرته فمن المتوقع أن يجذب ذلك تفاعل الجمهور ولكن إذا نشرت رابط الإبلاغ عن محتوى انتحاري فلن تنال مقدارا مشابها من التفاعل، وهذا يشير إلى أن الجمهور يتحمل المسؤولية أيضا، ولكنه يدفع الثمن لاحقا بسبب تأثير تلك المنشورات على تفكيره وحالته المزاجية وربما تستقر في ذهنه ويستدعيها لاحقا عند تعرضه لأزمة.

ومن بين المنشورات التي تفاعل معها الجمهور على فيسبوك خلال الفترة الماضية تلك الدعوة حسنة النية التي يعرض أصحابها التحدث مع أصحاب الأفكار الانتحارية بدعوى أنهم يحتاجون أصدقاء. من المحتمل أن يكونوا بحاجة إلى أصدقاء والحديث معهم قد يخفف ضغوطا أو يقلل احتقانا أو ينبه إلى مقبل على الانتحار، ولكن الكلام مع صديق ليس علاجا متكاملا.

فالأفضل عند ملاحظة أفكار انتحارية لدى صديق ألا تكتفي بدعمه عاطفيا ومعنويا، وإنما يجب أن أن تحيله إلى متخصص، فيمكنك استخدام الخاصية التي يوفرها فيسبوك ويمكنك التواصل مع المنظمات المحلية التي تعمل في مجال مكافحة الانتحار وهناك فهناك أبحاث أبرزت تجارب ناجحة في منع الانتحار باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ولكنها تحسب للجمهور أكثر ما تحسب للشركات العملاقة.

فقد أشارت تلك الأبحاث إلى أن بعض المقدمين على الانتحار يفضلون التواصل مع الأخصائيين النفسيين عبر محادثات فيسبوك والمواقع الشبيهة بدلا من اللقاء وجها لوجه لأن الحديث غير المباشر يمنع عنهم الحرج ويشجعهم على مزيد من الصراحة.

أخفقت شركات الانترنت العملاقة عندما عدلت آليات البحث الانجليزية وتجاهلت العربية فبدت وكأنها لا تكترث لحياة العرب، ولكنها أحسنت عندما وفرت وسيلة تواصل آمنة بين أصحاب الميول الانتحارية والمتخصصين. 

وسوم:

Share This