التدقيق الإخباري: نحو البحث عن شرعية صحفية جديدة

12 فبراير، 2020 • آخر المقالاتأبرز المواضيعإدارة قاعة الأخبارالأخلاقيات والجودةالإعلام الرقميالإعلام والسياسةالتحقق من المعلومات • المحرر(ة)

التدقيق الإخباري fact-checking  وليد تقاليد صحفية قديمة مارستها الصحافة الأمريكية لكنه لا يقتصر على مهمّة التأكّد من صحّة الأخبار و دقّتها إذ أخذ في الممارسات الصحفية المعاصرة اشكالا جديدة و هو يمثل ايضا رهانا سواء من الناحية التجارية أو من ناحية شرعية وسائل الإعلام في ظرف تعيش فيه الصحافة مرحلة إعادة تشكّل عميقة.

تدقيق تصريحات السياسيين

تكاثرت اليوم في وسائل الإعلام الأبواب و المواضيع المخصّصة للتدقيق الإخباري على خلفية ممارسة حديثة و شكل إخباري ناشئ يتمثّل في تقييم مدى صحّة أقوال و تصريحات الشخصيات السياسية و غيرها من الشخصيات العامّة. و تشكّلت للجمهور العريض صورة عن مثل هذا العمل عبر بعض المواقع التي حصلت على درجة من الشّهرة مثل المواقع الإلكترونية بوليتيفاكت Politifact  و فاكت شيك Fact-Check في الولايات المتّحدة أو الرّكن الصحفي الذي انشأته جريدة ليبيراسيون Libération تحت مسمى ديزنتوكس Désintox أو جريدة لوموند تحت مسمى ديكودير Les Décodeurs في فرنسا، و تجارب أخرى لاحقة مثل برنامج “بين الصحيح و الخطأ” Le Vrai du faux في إذاعة فرانس إنفو و برنامج “الصحيح و الخطأ في الأخبار”  Le Vrai-faux de l’info في إذاعة اروبا 1 d’Europe 1 .

النموذج العام لمواضيع التدقيق الإخباري عادة ما تكون على هذا الشكل: ” جاء على لسان فلان في تصريحه يوم كذا، لوسيلة إعلامية كذا، خبر كذا…فهل هذا صحيح\خطء\أقرب الى الصّحة\اقرب الى الخطأ؟ و يرافق حكم الصحفي شرح يعتمد عادة تقارير رسمية إحصائية في الغالب، و إضاءات خبراء بهدف إعطاء القارئ صورة أكثر صحّة و دقّة ممكنة. و تتمثّل الفكرة الجوهرية وراء هذا العمل في إنارة الجمهور حول طريقة صياغة الخطاب و نوعية الحجج المعتمدة للشّخصيات العامّة الخاضعة للتدقيق الإخباري.

يعمد الصحفيون المكلّفون بمهمّة التدقيق الإخباري الى البحث عبر المنابر الإعلامية التي تستعملها الشخصيات السياسية، عن تصريحات قابلة للتدقيق حسب أهمّيتها و إستجابتها الى متطلّبات الصحافة كأن تكون أثارت جدلا أو تشتمل على قيمة آنيّة أو أنّ مواضيعها تشدّ إنتباه القرّاء. كما يراعون في إختياراتهم إمكانية الحصول على تقرير رسمي أو مواد أرشيفية تسمح من التأكّد من صحّة المعطيات الواردة في التصريحات و مدى دقّتها.

جريدة ليبيراسيون تتصدّر المشهد في فرنسا

عرف مثل هذا العمل تطوّرا لافتا في فرنسا أثناء الحملة الإنتخابية الرئاسية سنة 2012 قبل أن يشهد تراجعا، ثم عاد للبروز مجدّدا في رئاسية 2017 و تصدّرت جريدة ليبيراسيون Libération المشهد بعد أن أنشأت سنة 2008 ركنا متخصّصا تحت مسمّى ديزنتوكس «Désintox» .ووضعت الجريدة هدف بعث “مرصد الأكاذيب و مصطلحات الخطاب السياسي” «observatoire des mensonges et des mots du discours politique» ، ضمن مدوّنة مدمجة في الموقع الإلكتروني للجريدة  Libération.fr مع إعادة نشر بعض المواضيع في النّسخة الورقيّة.

و تحوّل ركن ديزنتوكس «Désintox»، سنة 2012 الى برنامج تبثّه القناة الفرنسية-الألمانية أرتي Arte تحت مسمّى «28 minutes». و عرّف هذا الركن، الذي كان يقتصر على التصريحات الكاذبة، نفسه آنذاك بهذه الطريقة: ” ديزنتوكس «Désintox» هو أوّل ركن صحفي فرنسي متخصّص في التدقيق الإخباري fact-checking يكشف على التصريحات غير الدقيقة أو الكاذبة للسياسيين. فبعد أربعة سنوات من العمل إستطاع الفريق الصحفي تصحيح مئات التصريحات بعد تغطية محايدة لمجمل الطيف السياسي”.

أما اليوم فيعرّف هذا الرّكن نفسه باكثر إقتضاب:”يكشف ديزنتوكس «Désintox» كلّ الأخبار الكاذبة التي تلوّث الجدل العام”. و هكذا رسم هذا الموقع الإتجاه العام لهذا النّمط من العمل الصحفي و ستسير في خطاه وسائل إعلام أخرى من غير إضافة تذكر سوى أن بعضها سيعالج من غير تمييز، التصريحات السياسية الكاذبة و الصحيحة.

ممارسة صحفية قديمة في الولايات المتّحدة

تحيل عبارة التدقيق الإخباري الى ظاهرتين مختلفتين. فالترجمة الحرفية لعبارة «fact-checking» هي”مراجعة الوقائع” أو “المراجعة إعتمادا على الوقائع”. ففي هذا المعنى لا تضيف هذه العبارة شيئا جديدا بل هي تحيل الى مبدإ صحفي و إلى تقليد تميّزت به الصحافة الأمريكية.

و في معناها الثاني تحيلنا عبارة  fact-checking الى الممارسة الحديثة للتدقيق الإخباري كشكل جديد للعمل الصحفي يتمثّل في مراقبة مدى صحّة المعلومات التي تتضمّنها خطابات السياسيين و خلوّها من التناقضات.

فمصطلح fact-checking تمّ إستعماله في السّابق و يستمرّ نفس الإستعمال حاضرا، لتعريف العمل الصحفي المتفرّغ كلّيا للتأكّد الكامل و الشّامل من صحّة المواد الصحفية قبل نشرها. و نشأ هذا التقليد عندما بعث بريتن هادن Briton Hadden و هنري لوس Henry Luce مجلّة تايم Time سنة 1923. و قد إنتدبت المجلة مدققين إخباريين متصدّرة تقليدا ستنخرط فيه مجلاّت أخرى منها ذي نيويوركر The New Yorker و ريدرز ديجست Reader’s Digest.

و تتمثّل مهمّة المدققين في بداياتها في مراقبة صحّة كتابة الأسماء و دقّة التواريخ و الأرقام و المعلومات الواردة في الأخبار. و كانوا يعودون الى تدوين الملاحظات التي أنجزها الصحفي المكلّف بالعمل الميداني (نوتة الصحفي) و الى الوثائق التي إعتمدها (راجع كتاب سارة هارسن-سميث) كما كانوا أيضا يتّصلون مجدّدا بالمصادر المذكورة في الخبر مع إمكانية الإتصال بمصادر أخرى تكميلية عند الضرورة و ذلك قبل الرجوع الى الصحفي محرّر الخبر الأصلي، موضوع التدقيق. و الهدف من هذا العمل هو إضفاء مصداقية على مضامين المواد التي تنشرها الجرائد و المجلاّت.

لكن هذه الفرق المتفرّغة للتدقيق الإخباري التي تمّ بعثها بداية من عشرينات القرن الماضي و بعضها كان يشتغل ضمن قسم البحث research department  ، ستشهد تقلّصا واضحا مع نهاية القرن بصفة موازية مع تقلّص عدد الصحفيين ضمن هيئات التحرير. و لجأت Time تايم سنة 1996 و نيوزويك Newsweek سنة 1977 الى إنشاء وظيفة مزدوجة لصحفي-باحث  reporter-researcher ، متخلّيتان عن وظيفة التدقيق الإخباري في شكلها الأصلي. و ستتبعهما مجلات أخرى مثل فرتيون Fortune و فوق Vogue  و فلج فويس Village Voice و أسكوير Esquire ( راجع: قرايق سلفرمان Craig Silverman ، الصفحات 286-292).

التدقيق الإخباري في ثوب جديد

تجربة التدقيق الإخباري التي إنطلقت في فرنسا منذ سنة 2008 ، و إن كانت لا تدين الى التجربة الأمريكية التي إنطلقت في بداية القرن الماضي و إقتصرت على التأكّد من صحّة المضامين الإخبارية، فهي ليست مجدّدة أيضا، لأنّها منقولة عن تجارب أمريكية أخرى إنتشرت منذ سنة 2000 عبر مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت، أعطت للتدقيق الإخباري روحا جديدة تمثّلت في مراقبة الخطاب العام. و يعتبر موقع فاكت شاك  FactCheck.org الذي أنشأه سنة 2003 مركز السياسات العامة  Annenberg Public Policy Center التابع لجامعة بنسلفانيا  Pennsylvanie، هو المرجع في هذا المجال. هذه التجربة الأكادمية المنشأ ستصبح قدوة لوسائل الإعلام التقليدية مثل واشنطن بوسط Washington Post  و تمبا باي تايمز Tampa Bay Times.

فاكت شيكر The Fact Checker مدوّنة سياسية يحتضنها الموقع الإلكتروني لجريدة واشنطن بوسط Washington Post . نشأ بداية في شكل ركن صحفي عرضي في النسخة الورقيّة للجريدة قبل أن يتحوّل بداية من 2011 الى ركن قار، و عرف بطرافة طريقة تقييمه لمدى صحّة التصريحات السياسية التي يخضعها للتدقيق، مانحا عددا من الرسوم من واحد الى أربعة في شكل بينيكيو Pinocchios بطل قصّة الأطفال الذي يطول أنفه مع كلّ كذبة، و إذا كان التصريح صادقا تماما فيمنحه الموقع رسما يجسّم شخصيّة قيبيتو Geppetto الذي نحت دمية بينيكيو و تبنّاها عندما تحوّلت الى شكل آدمي إستجابة الى رغبته الدفينة.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالنسخة الفرنسية للمرصد الأوروبي للصحافة وترجم من قبل الدكتور المهدي الجندوبي. وهو أستاذ مساعد، بمعهد الصحافة و علوم الإخبار، تونس.  متقاعد منذ سنة 2013 حاصل على دكتوراه حلقة ثالثة في الإعلام من جامعة باريس 2 ، سنة 1979. عمل في الحقل الصحفي ثم التحق سنة 1980 بالجامعة لتدريس الصحافة و الإعلام في تونس ثم البحرين و ابوظبي. نشر كتاب صحافة الوكالات صحافة الأساس، منشورات معهد الصحافة، تونس 1984 (باللغة الفرنسية) و مؤلف مشارك في كتاب ثنائي مع د.عوض هاشم: دليل كتابة الخبر، نشر وزارة الثقاقة بالبحرين، 2010. ويشرف منذ  2010على مدوّنة تعنى بالتحرير الصحفي: www.journalismwritingcourses.blogspot.com

وسوم:

Share This