بين حماية المعطيات الشخصية وحماية حق النفاذ إلى المعلومة: أي معادلة تونسية؟

11 يوليو، 2018 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةالصحافة المتخصصةحرية الصحافةملفات • المحرر(ة)

حقوق الصورة @نقطة قانونية

تنازع الاختصاص، ظاهرة عالمية أكدتها تجارب فقه القضاء في العديد من المناسبات وفي أزمنة مختلفة. ولا يقتصر الأمر فقط عند الإدارات فيما بينها، بل يمكن أن يتطور تنازع الاختصاص إلى مستوى الهيئات الوطنية. ربما يكون السبب راجعا إلى فلسفة تكوين هذه الهيئات، أو مجال ممارستها لسلطاتها. فكان ذهاب بعض الدول ـ ضمن التجارب المقارنة ـ إلى دمج الهيئتين أو الإدارتين المتنازعتين، أو فصلهما بشكل حاد وواضح.

تونس ما بعد الثورة ليست في منأى عن هذه الظاهرة، ويعتبر الأمر بارزا وظاهرا بوضوح في ما يخص هيئتين تعتبران من البناءات الأساسية لدولة تسعى لإرساء نظام ديمقراطي، وهما الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، وهيئة النفاذ إلى المعلومة. وقد ظهرت الخلافات بين الهيئتين في التصريحات المتقابلة الصادرة عن رئيسي الهيئتين، فكل منهما يرتكز إلى ترسانة من القوانين منها ما هو دستوري ومعاهدات دولية وقوانين أساسية وأوامر وقرارات ومناشير في ما يشبه سباقا لفرض فلسفة كل من الهيئتين على مجال تداول المعلومة. وقد قام “المرصد العربي للصحافة” باستجواب رئيسي الهيئتين شوقي قداس رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية وعماد الحزقي رئيس هيئة النفاذ إلى المعلومة، إلى جانب السيد هادي جلاب مدير الأرشيف الوطني، وهي الجهة المعنية بشكل مباشر بحق النفاذ إلى المعلومة وحماية المعطيات الشخصية.

هيئة واحدة أفضل من هيئتين

“بالنسبة لمسألة حماية المعطيات الشخصية فهي محمية بنصوص واضحة، منها ما هو موجود في الدستور ومنها ما هو في شكل قوانين أساسية وقرارات وأوامر ومناشير. ولتعدادها يمكن اللجوء إلى كتاب “مجموعة النصوص المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية” الذي نشرته الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية”.. هكذا بدأت تصريحات شوقي قداس رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، وأضاف قداس أنه قد ورد في الدستور التونسي الصادر سنة 2014، في فصله الـ24 إشارة واضحة لتكفل الدولة بحماية المعطيات الشخصية، ويقول الفصل “تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات  والمعطيات الشخصية”.

حقوق الصورة @Africaine-Santé

ويشير قداس في تعليقه على هذا الفصل إلى أن الدستور التونسي الحالي )وحتى الدستور السابق( يشير بوضوح إلى ضرورة حماية المعطيات الشخصية باعتبارها ركيزة أساسية في حماية الفرد. ويعود إلى جملة القوانين التي تطبق هذا المبدأ الدستوري منطلقا من القانون الأساسي عدد 63 الصادر يوم 27 جويلية 2004 والمتعلق بحماية المعطيات الشخصية والذي أحدث الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية ونظم عملها.

بجانب هذا القانون )الذي لا يزال ساريا( توجد قوانين أخرى من بينها القانون الأساسي عدد 42 لسنة 2017المتعلق بموافقة الجمهورية التونسية على الانضمام إلى الاتفاقية رقم 108 لمجلس أوروبا المتعلقة بحماية الأشخاص تجاه المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي. كما أشار شوقي قداس في حواره مع “المرصد العربي للصحافة” إلى بعض المناشير والأوامر التي من توضح تطبيق هذه القرارات للجهاز الإداري التنفيذي من بينها الأمر عدد 3003 لسنة 2007 المتعلق بضبط طرق سير الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، والمنشور الحكومي عدد 17 بتاريخ 12 أكتوبر 2016، وغيرها..

يرى شوقي قداس أن الإشكال الحقيقي لا يمكن في هذه النصوص، فهي على تعددها لا تزال غير واضحة بالنسبة للجهاز القضائي في تونس، ويصرح قائلا “قمنا بجهود عديدة من أجل جمع القضاة العدليين وتدريبهم على تطبيق هذا القانون وزرع ثقافة حماية المعطيات الشخصية لدى القضاة”. وأضاف قداس في هذا السياق أن “ثقافة حماية المعطيات الشخصية شبه منعدمة لدى المجتمع التونسي، وقد أبرزت نتائج سبر الآراء والبحوث التي قمنا بها أن 60 % من العينة المدروسة لا دراية لها بهذا الحق”.

ويعلق شوقي قداس على هذا الخلاف قائلا “الحماية والنفاذ هما حقان يتلامسان ومتشابهان وفي رأيي وجب وضع الهيئتين في هيئة واحدة حتى تتمكن من العمل بشكل عادي وبتوازن بين حماية المعطى الشخصي والنفاذ إلى المعلومة التي هي حق أيضا”. وبسؤال قداس عن وجود تجارب دولية يمكن الاستفادة منها في هذا المجال، أجاب أن التجربة الألمانية والتجربة الكندية هما الأكثر وضوحا وبالتالي أكثر إفادة. “ففي ألمانيا مثلا توجد هيئة واحدة تحمي المعطيات الشخصية وهي نفسها التي تحمي حق النفاذ إلى المعلومة سواء من قبل مواطنين عاديين أو صحفيين متخصصين وغيرهم. كذلك الأمر في كندا فالهيئة الكندية تعتبر مرجعا في التوازن بين حق الحماية وحق النفاذ إلى المعلومة”.

وعن سؤال: إلى أين يتجه النموذج التونسي في ظل هذا الخلاف؟ أجاب شوقي قداس أن هيئته تسعى إلى إقامة هيئة واحدة “لضمان تحقيق الهدف من كل هيئة سواء حماية المعطيات الشخصية أو النفاذ إلى المعلومة” وأضاف قداس “لقد اقترحنا على هيئة النفاذ إلى المعلومة تكوين مكتب مشترك لحل القضايا الخلافية بيننا ويتكون المكتب من رئيس كل هيئة ونائبه، وسنتمكن من خلال هذا المقترح من تسيير كل الملفات التي يمكن أن تحوي خلافا أو إشكالا أو غموضا في تطبيق القانون”. وذكر قداس بالنموذج الفرنسي في هذا السياق قائلا إن فرنسا تسعى في السنوات الخمس القادمة إلى التقليص من عدد هيئاتها الوطنية سواء دستورية أو غير دستورية ومن بينها هيئتي حماية المعطيات والنفاذ إلى المعلومة، مشيرا إلى أن الاجراءات قد بدأت فعلا في فرنسا.

الحماية استثناء.. الأصل هو النفاذ

في الجانب المقابل، كانت إجابات رئيس هيئة النفاذ إلى المعلومة عماد الحزقي مختلفة عن إجابات رئيس هيئة حماية المعطيات الشخصية شوقي قداس بما يؤكد الخلاف الدائر بين وجهتي النظر. فقد أشار عماد الحزقي في حديثه لـ”المرصد العربي للصحافة” إلى أن “حماية المعطيات الشخصية هي استثناء من حق النفاذ إلى المعلومة وليس العكس، فالأصل هو النفاذ وحرية المعلومة، أما الاستثناء فهو حماية المعطيات الشخصية في حالة لم تكن تلك المعطيات تهم الشأن العام”.

وأشار الحزقي في معرض دفاعه عن وجهة نظره إلى أن “جملة من القوانين تقوم بحماية حق النفاذ إلى المعلومة، من بينها الفصل 32 من دستور 2014 الذي يقول “تضمن الدولة الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة. تسعى الدولة إلى ضمان الحق في النفاذ إلى شبكات الاتصال” وبجانب هذا الفصل المهم يوجد القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة ونصوصه التطبيقية، كما وقعت تونس على عدد من الاتفاقيات الدولية المعنية بالحق في النفاذ إلى المعلومة من بينها القرار عدد 59 للجمعية العامة للأمم المتحدة والفصل 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسانوالفصل 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وغيرها من الاتفاقيات”.

حقوق الصورة @Babnet

ويجيب عماد الحزقي على رؤية شوقي قداس لمآل النموذج التونسي المتعلق بالجهة المختصة بحماية المعطيات الشخصية والنفاذ إلى المعلومة بالقول إن “ثقافة التونسيين ضعيفة في مجال النفاذ إلى المعلومة أكثر من ضعفها تجاه حماية المعطيات الشخصية. وكما قلت فإن المبدأ هو الشفافية وحرية المعلومة والاستثناء هو الحماية، وبالتالي فإنه من الضروري الدفع في اتجاه دعم ثقافة النفاذ إلى المعلومة لدى الجمهور بشكل يضمن الشفافية والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والسماح للجمهور بالاطلاع على مجريات الأمور التي تهم الشأن العام في الإدارات الحساسة والبلديات والجهات المختصة بالصفقات العمومية والأشغال وغيرها”.

في ما يتعلق بمسألة التجارب الدولية يرد الحزقي قائلا “بالنسبة للنموذجين الألماني والكندي فالكل يعرف تقاليد هذه الدول في الشفافية ومكافحة الفساد والحريات والديمقراطية، وبالتالي فإن أخذ هذين البلدين كنموذج للاقتداء في تونس التي لا تزال تتلمس خطواتها الأولى فهذا أمر أرى فيه نوعا من التعسف”.

الخروج من الجدل

إزاء هذا الجدل المحتدم، والمرتبط بمرجعيات قانونية متشعبة ومتداخلة، تطرح إمكانية اللجوء إلى استقراء موقف أكثر المؤسسات التونسية المعنية بمسألتي النفاذ إلى المعلومة وحماية المعطيات الشخصية، وهي مؤسسة “الأرشيف الوطني”. وفي هذا الإطار، يقول الأستاذ الهادي جلاب، مدير الأرشيف الوطني لـ”المرصد العربي للصحافة” أنه “لنتفق أولا أنه لا توجد دولة في العالم مهما كانت درجة تقدمها تفتح كل الملفات.. هناك قوانين تنظم المعلومة، كما توجد معلومات لن تفتح إلى الأبد”.

حقوق الصورة @ Bibliothèque nationale de Tunisie

ويفرق الأستاذ الهادي الجلاب بين المرحلة الراهنة التي تمر بها تونس في ما يخص هذا الجدال، وبين الأفق الإستراتيجي المناسب. ويقول إنه “بالنسبة لمستقبل النموذج التونسي والطابع العام الذي ستحمله جيناتها، فإنني أرى أنه من الضروري احترام الضوابط في هذه الفترة الانتقالية والتعامل بحذر شديد مع التطورات المتعلقة بالمعطيات الشخصية والنفاذ إلى المعلومة”. وإذ يرى الجلاب أن الحذر واجب في هذه الفترة، فإنه يشير إلى أن النصوص القانونية الحالية تعاني بعض الغموض والكثافة. ويصرح “النصوص المتعلقة مثلا بحماية المعطيات الشخصية، أرى أنه من الضروري إشفاعها بنصوص أخرى تطبيقية كي تكون واضحة بالنسبة للإدارة حتى لا يتم إخفاء المعلومة والتعتيم عليها وفي ذات الحين حماية المعطيات الشخصية للناس”.

ويوضح الجلاب أنه من الضروري إيجاد توازن في آخر المطاف بين كل هذه المعطيات، “لدينا قانون لحماية المعطيات وهو في طور المراجعة ومن الطبيعي أن نجد نوعا من الاحتكاك بين هيئة حماية المعطيات وهيئة النفاذ وقانون الأرشيف”. ويذكر الجلاب بأن الحرية هي الأصل ولكن وجب احترام الضوابط بشكل صارم في الآن ذاته، “فالحدود لا يجب أن تكون رخوة ولا يجب أن تكون تلك الحدود خاضعة للموجات السياسية المختلفة والمتتابعة”، إذ يجب أن تخضع إلى منطق القانون وليس إلى منطق السياسة.

 

 

وسوم:

Share This