الإذاعة العمومية التونسية في مجابهة انتشار فيروس كورونا

26 أبريل، 2020 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام في زمن الكوروناالتغطية الإعلاميّةالصحافة المتخصصةبحثملفات • المحرر(ة)

الحجر الصحي الشامل الذي فرضته السلطات التونسية منذ منتصف مارس/آذار الماضي القي بظلاله على مختلف وسائل الإعلام التونسية بما فيها الإذاعة العمومية بمختلف قنواتها المركزية والجهوية.

 و سعيا منها للتكيّف مع الإكراهات التي فرضتها جائحة فيروس كورونا والحجر الصحي الإجباري الذي قيّد حركة المجتمع بأسره،  بادرت الإذاعة العمومية باتخاذ عديد الإجراءات الإدارية و التحريرية مركزيا و جهويا للتوقي من انتشار الفيروس و حماية العاملين بالمؤسسة و الاستجابة لحاجة جمهور المستمعين إلى معلومة دقيقة و مؤكدة في ظل انتشار الأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي زمن الأزمة.

  كان لزاما على المؤسسة أن تستجيب لإجراء الحجر الشامل و في الآن نفسه أن تحافظ على خدماتها الإعلامية كمرفق عمومي مطالب بتقديم معلومة متوازنة و شاملة و دقيقة لذلك سارعت إلى اتخاذ إجراءات لتعديل نظام عمل الصحفيين و التقنيين و الإداريين بهدف المحافظة على سلامتهم وضبط برمجة خاصة تواكب تطور الأوضاع في كل المجالات التي لها صلة بانتشار فيروس “كوفيد 19” وتقترب أكثر من المستمعين الذين هم في حاجة إلى إحاطة خاصة في مثل هذه الظروف التي تمر بها كل بلدان العالم على حد السواء .

رفع تحدّي العمل عن بعد 

إلى جانب توفير وسائل الحماية داخل المؤسسة و ضمان التباعد الاجتماعي المفروض في حالات انتشار الأوبئة، أقرت الإذاعة التونسية نظام العمل عن بعد لعدد من الوحدات الإدارية و التحريرية حيث شمل هذا النظام بوابة الإذاعة التونسية و بعض الخدمات الإدارية المختلفة التي لا تتطلب حضورا مباشرا . كما تم ضمان النقل لكل العاملين بالمؤسسة الذين خضعوا لنظام العمل بالتناوب كل خمسة عشر يوما . كما تم إلغاء حضور الضيوف في مختلف البرامج و التخلي على التنشيط الجماعي .

 ورغم مجابهة صعوبات في بداية الحجر الصحي في ضمان سلاسة العمل صلب المؤسسة إلا أن اغلب العاملين تأقلموا مع طريقة العمل الجديدة و نجحوا في تنفيذ المهام المنوطة بهم بكفاءة عالية خاصة و أن الوسائل التقنية و الرقمية تتيح ذلك. و كان الحجر الصحي فرصة لاختبار أنظمة رقمية جديدة تضمن العمل عن بعد بنفس السرعة و الجودة في الأنظمة التقليدية ( منظومة عمل عن بعد لاجتماعات المسؤولين في الإدارة و التحرير ).

 هذا و اتخذت الإذاعة التونسية مركزيا و جهوريا عديد التدابير لتامين سلامة مراسليها أثناء تغطيتهم الميدانية لمختلف الأحداث المحلية التي تشهدها البلاد أثناء هذه الفترة .

برمجة خاصة ومدوّنة سلوك

كانت معادلة صعبة بين تامين الخدمة العامة للمرفق العمومي في ظل الأزمة و تخفيض عدد العاملين و اعتماد نظام العمل عن بعد و بناء عليه اتخذت المؤسسة قرار توحيد البث كليا بين الإذاعات الثلاثة المركزية الناطقة باللغة العربية ( الوطنية و الثقافية و الشباب ) و جزئيا في الفترات الليلية لعدد من الإذاعات الجهوية. و تركزت البرمجة الخاصة في كل المؤسسات الإذاعية على متابعة الشأن العام في ظل مستجدات مكافحة  انتشار فيروس “كوفيد 19” في تونس . و كانت الأخبار الطبية و الاقتصادية و الاجتماعية محل متابعة يومية في كل البرامج و تخلّت البرمجة جزئيا عن البرامج الترفيهية و الرياضية كما أخذت الومضات التوعويّة حيزا هاما من نسبة البث .

كما اعتمدت المؤسسة مدوّنة في التعاطي الإعلامي مع المصابين بفيروس كورونا وعائلاتهم مستوحاة من مدونة سلوك الإذاعة التونسية ومنسجمة مع الخط التحريري للمؤسسة و ضوابط الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية .

و تنص المدونة خصوصا على تجنب “بث معطيات حول الشخص المصاب مثل الاسم و اللقب مع إمكانية الاكتفاء بالأحرف الأولى للاسم و للقب في بعض الحالات أو بالاسم فقط دون اللقب شريطة التأكد من أن ذلك لا يمكّن من التعرف على الهوية الحقيقية للمصاب بما يعرضه للتمييز السلبي”
كما تؤكد المدونة على عدم “نشر معطيات حول مكان إقامة المصاب مثل الحي و العنوان البريدي أو أي معلومة تمكّن من التعرف على مقر سكناه “

و سمحت المدونة بنشر هوية المشاهير المصابين بالمرض شريطة إعلانهم بأنفسهم عن تعرضهم للإصابة .

و عملت المؤسسة على تعميم مدونة السلوك الخاصة بالتعاطي مع أزمة “كورونا” ليتقيد بها الصحفيون و المنشطون في إنتاج المضامين الإذاعية و رغم حصول بعض التجاوزات في البداية إلا انه تم تداركها خاصة علما أن الإذاعة التونسية أحدثت منذ فترة خطة الموفق الإعلامي الذي يلعب دورا أساسيا في التعديل الذاتي داخل المؤسسة .

هذا و يعتمد الصحفيون برمجيات رقمية للتوقي من الأخبار الكاذبة فضلا عن اعتماد اكثر من مصدر قبل نشر المعلومة و لعبت دورا في تصحيح العديد من الاخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي .

أزمة كورونا أعادت إنتاج المؤسسات الإعلامية من جديد في طريقة عملها و مضامينها و قد تكون هذه الأزمة فرصة لإعادة التفكير في منظومة العمل داخل هذه المؤسسات و إيلاء أهمية اكبر للعمل عن بعد و الاستفادة من الوسائل الرقمية .

كما أظهرت الأزمة دور صحافة البيانات و البرامج المختصة و خاصة العلمية و الطبية في توعية الرأي العام و تثقيفه و عليه فان ما بعد كورونا قد يفرض إعادة النظر في المضامين الإعلامية المقدمة للجمهور خاصة في المرافق العمومية

و ان كان انتشار فيروس “كوفيد 19” عصف بالصحافة الورقية و حولها مجبرة إلى الانترانت أشارت عديد التقارير أن نسبة الإقبال على الاستماع إلى الإذاعة تزايد خلال فترة الحجر الصحي الشامل  مما يحتم مزيد التفكير في دعم انتشار هذه الوسيلة الإعلامية المجانية و القادرة على القيام بأدوارها خاصة أثناء الأزمات .

وسوم:

Share This