صحافة البيانات لتغطية أزمة الكورونا

3 يونيو، 2020 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام الرقميالإعلام في زمن الكورونا • المحرر(ة)

فرضت أزمة الكورونا انتشارا أكبر لصحافة البيانات نظرا لأهميتها خلال هذه الفترة.. بعد أن أصبحت الأرقام مسألة يومية . وذلك منذ بداية الأزمة، أصبحنا تنتظر يوميّا، الناطق الرسميّ أو المسؤول عن الاتّصال  بوزارة الصحة  أو الجهة الرسمية المسؤولة عن قطاع الصحة والأوبئة الحديثة ببلدنا، ليخبرونا بعدد الحالات الجديدة، حسب الجنس أو الشريحة العمرية أو المنطقة وغيرها من التفاصيل . لقد أصبحنا حقّا نعيش تحت وقع الأرقام وذلك “الصفر”  الذي اكشتفه عالم الرياضيات الخوارزمي، أصبح يعني لنا الكثير.

ووجد الصحفيون أنفسهم في مهمّة صعبة للغاية، وهي نقل الأخبار بصفة آنية من جهة، و بكل مصداقية من جهة أخرى نظرا لأهمية التثبت من المعلومات مع انتشار الإشاعات عبر الميديا الإجتماعية، الأمر الذي دفع الفايسبوك إلى نشر مركز افتراضي للمعلومات Centre d’informations تحدّد به مصادر المعلومات بكل بلد. لكن أين الإعلام من أزمة الكورونا؟

منذ بداية الأزمة، وجدنا الجميع يتحدث عن فيروس الكورونا …. كل القنوات الإخبارية والإذاعية والجرائد الورقية والإلكترونية لا تتحدث إلاّ عن هذه الأزمة … فهي محورحديث الإعلاميين والصحفيين في مناقشتهم لجميع المجالات حتى الرياضة والثقافة وإن ألغيت جميع الأحتفالات والتظاهرات الرياضية. ولكن ظلّت تلاحقنا أخبار الفنانيين والرياضيين في علاقتهم بهذه الأزمة.

ماهي صحافة البيانات ؟

نذكّر بما ورد في دليل صحافات البيانات (2019) أنّ” مصطلح “صحافة البيانات”  قد أصبح مألوفا خلال السنوات الأخيرة بعد أن كنّا نتحدث عن صحافة المواطن وصحافة الميديا الاجتماعية. وأخذت صيتا واسعا مّما يفسر قول تيم بيرنرز ليل في عام 2010 بأنّ هذه هي صحافة المستقبل. وتهدف هذه الصحافة إلى استغلال قواعد البيانات واستخراج المعلومات الواضحة والمعلومات ذات الصلة المقدمة بطريقة جذابة. ونقصد بذلك جعل المعلومات أكثر وضوحا بصفة مرئيّة من خلال رسومات الكمبيوتر ورسم الخرائط وأدوات الغرافيك الأخرى.

ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ أزمة الصحافة الورقية التي مرّ بها العالم بعد عزوف عدد كبير من القرّاء عن مطالعة الصحف هي عامل من بين العوامل التي ساهمت في تطوّر صحافة البيانات … وقرّر مؤسسو هذه الصحف الورقيّة بعث نسخ الكرتونية في محاولة لمواجهة تحديّات الساحة الإعلاميّة. كما ساهمت وفرة المعلومات بعد أن كانت نادرة في السابق إلى سعي الصحفيين إلى البحث عن طريقة جديدة لمعالجة الكمّ الهائل من المعلومات التّي يتحصلون عليها. وقد تطوّرت فعليّا صحافة البيانات خلال السنوات العشر الأخيرة مع انتشار الوسائط الإلكترونية الحديثة (الحاسوب المحمول، اللوحة، الهاتف الذكي، الخ) والميديا الاجتماعية (الفايسبوك، التويتر، الانستغرام، الخ).

كما أنّ أهمّ عامل ساهم في انتشار صحافة البيانات بالعالم هو سعي المؤسسات الإعلاميّة بالعالم الأوروبي والغربي إلى مواكبة التطورات التكنولوجيّة للساحة الإعلامية وسعيا منها في استقطاب أكبر عدد من القرّاء من خلال ابتكار طريقة جديدة لسرد المعلومات. وهي محاولة منها لجني المال من أجل ضمان استمراريتها رغم تحديّات السوق. إلاّ أنّ صحافة البيانات لم تبق حبيسة الصحافة الالكترونية بل إنّها سجلت وجودها أيضا بعالم الإعلام السمعي البصريّ. من ناحية أخرى، ساهم تدّفق المعلومات من حولنا في ولادة صحافة البيانات وتطورها لاسيّما مع التحاق العديد من الدول بالعالم بمشروع الحكومات المفتوحة في إطار الشفافية وتشجيعا على نفاذ المواطن إلى المعلومة. ثمّ  بفضل تطوّر برامج الحاسوب، أصبحنا قادرين على تحويل البيانات البسيطة إلى قصص صحفيّة بعد أن أصبح من السهل اليوم قياس البيانات وحصرها وتنظيمها وإيجاد موضوع يهمّ الرأي العامّ. فمجرّد مشتريات نقوم بها بالبيت، يكفي عدّها مثلا خلال شهر رمضان حتّى نتحدّث فيما بعد عن المنتجات الأكثر استهلاكا من قبل المواطن خلال هذا الشهر. ثمّ مع تطور ممارسات الأفراد بالميديا الاجتماعية والانترنت، أصبح من السهل فهم الممارسات اليومية للأفراد بعد أن تحولت الشبكة العنكبوتيّة إلى مجموعة من قواعد البيانات التي يمكن استهلاكها لأغراض مختلفة: اجتماعية وثقافيّة وسياسية واقتصاديّة وغيرها.

دور أزمة الكورونا في ظهور صحافة البيانات

لقد ساهمت كل هذه العوامل المذكورة سابقا في تطور صحافة البيانات ، ونحن نعيش اليوم على وقع ذلك، حيث أن عدد مستعملي الانترنت قد بلغ اليوم  وفق موقع We are Social  أكثر 4 بليون مستعمل. كما انتشرت الوسائط الإلكترونية الحديثة (الحاسوب المحمول، اللوحة، الهاتف الذكي، الخ) وارتفع أيضا عدد مستعملي الميديا الاجتماعية (الفايسبوك، التويتر، الانستغرام، الخ).

ثمّ، هل مازلنا اليوم خلال هذه الأزمة نطالع الصحف الورقية ؟ … قلّة من الناس يطالعون اليوم الصحافة الورقية مثلما انخفض عدد المعلنين. ممّا جعلها تعيش أزمة خلال أزمة الكورونا.  قررت على سبيل المثال، الجريدة الفرنسية Le Canard Enchainé الاستغناء مؤقتا عن نسختها الورقية المطبوعة ونشرها عبر موقعها بالانترنت. كما قرر مجمع News Corp لروبارت مردوخ خلال شهر ماي 2020 ، ايقاف طبع 100 عنوان من الصحافة الورقية بأستراليا نظرا لإنخفاض عائدات الإشهار جراء انتشار الوباء.  كما استغنت جريدة الخبر الجزائرية عن 80 %  من العدد المعتاد من النسخ لجريدتها. وكانت المغرب قد منعت الناشرين مع تصاعد الأزمة بها، من طبع المنشورات الورقية، إلى حدود يوم 23 مايو  2020. لكن هذا لا ينفي محافظة قلة من الجرائد على النسخة الورقية برغبة من الجمهور.

ثمّ إن آنية الأخبار التي توفرها المنصات الالكترونية أصبحت منذ مدّة تنافس الصحف الورقية ..وكأننا فعلا بصدد توديع الصحافة الورقية منذ بداية أزمة الكورونا.

وأخيرا، هل مازال المواطن اليوم يرغب في قراءة نصّ كامل مليء بالأرقام ؟ أو الاستماع إلى مذيع يلقي نصا مليئا بالأرقام… ونحن اليوم نعيش صباحا مساء على وقع الأرقام ..طبعا لا لاسيّما وأنّ الأرقام أصبحت تخيفنا ….

هذا ما دفع وسائل الإعلام اليوم إلى البحث عن وسيلة لتقديم المعلومات بصفة واضحة حتى يتمّكن الجمهور من فهمهأ… لتنشأ مجموعة من المبادرات بالعالم، سعى من مؤسسوها من خلالها بعرض البيانات المتعلّقة بالأزمة بشكل واضح.. وطبعا كانت مبادرات بحثية، جامعية من قبل مهندسين وباحثين في البرماجيات قبل أن يتبنى الإعلاميون الفكرة ..

أشهر هذه المبادرات هي مبادرة Johns Hopkins University  التي وضعت على ذمّة الجمهور منصة الكترونية، تقدم عدد الضحايا بالعالم بما في ذلك عدد الإصابات وعدد الوفيات وعدد حالات الشفاء .. وكانت هذه المنصة هي المصدر الأولي للمعلومات لمستعملي الانترنت بالعالم قبل أن تقوم منظمة الصحة العالمية بوضع منصة بدورها لعرض المعلومات في شكل رسوم بيانية. وتبنّت فيما بعد كل دولة الفكرة، وإن كانت المبادرات في أولها فرديّة، من قبل مهندسي البرماجيات والبيانت الضخمة، فإنّ المؤسسات الرسميّة سعت فيما بعد إلى وضع منصات خاصّة بها لتقديم المعلومات، على غرار تونس والإمارات العربيّة المتّحدة و الدول الأوروبية.  

صورة لمنصة Johns Hopkins University

كما نلاحظ أنّه لم تعد المؤسسات الإعلاميّة هي الوحيدة التي تعمل على العرض الجيّد للبيانات بل إنّ المؤسسات الجامعية والطبية، سواء الحكومية أو الغير حكومية أصبحت أيضا لا تكتفي بتوفير المعلومات بل تسعى إلى العرض الجيّد لها.

ممارسة صحافة البيانات  خلال أزمة الكورونا

تصلنا منذ بداية الأزمة الآلاف من المعلومات في شكل بيانات وبوستات بالميديا الإجتماعية ورسائل الإلكترونية… إلى درجة أننا تعجبنا بتونس يوم 09 مارس 2020 من تضارب الأرقام التي قدمتها وسائل الإعلام المهنيّة التي أشارت إلى وجود العديد من المصابين بالفيروس، والحال ان وزارة الصحة أكدت وجود أصابتين فقط . وبالتالي، فإنّ إعتماد  الصحفي على المصادر الرسمية أمر في غاية الأهمية، سواء المحلية أو الدولية. مثلا: منظمة الصحة العالمية، مركز المراقبة والوقاية من الأمراض Centre de Contrôle et de Prévention des maladies، منظمة أطباء بلا حدود Médecins Sans Frontières، الخ.

ثم مثلما ذكرت سابقا، كانت المبادرات الأولى لتصميم المنصات الالكتورنية من قبل مهندسي البرمجيات والبيانات الضخمة، هذا يعني أنّ بعض الصحفيين لديهم مهارات متطورة في الغرافيك والبعض الآخر لا. لذلك يعتبر التعاون مع مصمميي الغرافيك والمهندسيين أمر لا مناص منه بالنسبة إلى الصحفي. وتوجد أيضا برامج لتصميم البيانات تساعد الصحفيّ على تحويل البيانات الكمية والكيفية إلى رسوم بيانية.

وبالتّالي، أصبح يمكن نشر مقال نصّي ويضاف إليه رسوم بيانية في شكل صور ثابتة أو متحرّكة مثلما يمكن إضافة فيديو يضمّ مجموعة من الصور البيانيّة للحديث عن أزمة الكورونا. ثمّ إنّ تقديم الأرقام في شكل بيانات يدفعنا إلى الأستنتاجات بطريقة أوضح.

وهنا نذكّر الإعلاميين بمجموعة من القواعد :

  • أولاّ، الاعتماد على المعلومات التي توفرها مصادر ذات مصداقية
  • ثانيا، القيام بعملية مقارنة بين المصادر والمواقع،
  • ثالثا، تهدئة الجمهور وليس بثّ الرعب، فالصحفي يلعب دورا مهما في توعية الرأي العام. وبالتالي يجب تجنبّ التلاعب بالأرقام بهدف الترويع
  • رابعا، التعاون مع الزملاء لتقديم المعلومات

ولقد سجلنا خلال الأشهر الأخيرة العديد من نماذج الأعمال القائمة على صحافة البيانات المتميزة بالعالم العربي، بتونس والجزائر ومصر ولبنان… الخ.

تجدر الإشارة أيضا  أنّ المعلومات التي نتحصل عليها هي التي تساعدنا على إيجاد قصّة صحفيّة.  ولكن الجمهور أيضا يمكن أن يكون مصدرا للمعلومات لأن  القصص الصحفية المتعلقة بالأزمة عديدة… بعضها يتحدث عن عدد المستشفيات بالولايات / المحافظات.. بعضها الآخر يتحدث عن الأطبّاء… وهناك من تعرض إلى الأزمة الاقتصادية من خلال التطرق إلى القطاعات الفاعلة والغير فاعلة خلال الازمة.. يكفي إذن  أن تلخّص صورة واحدة كمّ المعلومات التي تكتب في فقرة أو تذكر في ربورتاج تلفزي… لقد أصبح اليوم الجمهور في حاجة إلى معلومة مقدمة بصفة مقتضبة…

خلاصة القول، كانت أزمة الكورونا فرصة لتبنّي العديد من الصحفيين والمؤسسات الإعلاميّة لصحافة البيانات التي وإن كانت حاضرة بيننا سابقا، ولكن لم يوليها الكثير من الصحفيين الإهتمام كما هو الحال اليوم. وبالتالي،  لا مفرّ من صحافة البيانات في عصر الأرقام والبيانات الضخمة…

ملاحظة: للمزيد من التفاصيل، يمكن الاطلاع على هذا العرض

وسوم:

Share This