طرح الأسئلة الجيدة لمواجهة التضليل الإعلامي

14 يناير، 2020 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالإعلام الرقميالتحقق من المعلومات • المحرر(ة)

المعالجة الإعلامية للتضليل الإعلامي، قضيّة إشكالية. فالتّدقيق الإخباري fact-checking الذي تنجزه وسائل الإعلام هو في احسن الحالات صرخة لا جدوى منها، و هو متّهم في أسوئها، بالمساهمة في ترويج المواد التي يرغب في مقاومتها. هناك فعلا خطر مضاعفة صدى خبر كاذب كلّما قرّر الصحفي تناوله و تثير هذه العملية مشاكل تحريرية و أخلاقية و نقنية لا تتعرّض اليها مواثيق الشرف المهنية و هذا ما تحاول التعرّض اليه فكتوريا كوان  Victoria Kwan محررة موقع  First Draft في دليلها: النقل الصحفي المسؤول في عصر التضليل الإعلامي (Responsible reporting in an age of information disorder).

في موضوع سابق نشر المرصد عرضا لدليل آخر حاولت فيه كلير واردل  Claire Wardle شرح تعقّد ظاهرة “الإضطراب الإعلامي” و إقترحت تصنيفا لمختلف المواد الإعلامية المضلّلة، معتبرة أن فهم هذه الظاهرة هي الخطوة الأولى لمقاومتها. و نعرض في هذا الموضوع الحلول العملية التي تقترحها فكتوريا كوان  Victoria Kwan ، و يمكن أن يعتمدها الصحفي بعد أن يكون نجح في تشخيص المضمون الكاذب و رغب في معالجته.

“بوق التضخيم”

كيف يمكن عمليا للصّحفي أن يواجه المضامين الكاذبة من دون السّقوط في توسيع إنتشارها؟ ترى فكتوريا كوان  Victoria Kwan أنه لا توجد إجابة على هذا السؤال بل مزيد من الأسئلة يجب على كل صحفي طرحها. إن أول ما يبادر به الصحفي عندما يواجه خبرا كاذبا هو محاولة دحضه و إبراز أوجه الخطأ فيه، و لكن الكاتبة لا ترى في ذلك الحلّ الأفضل دائما، لأن كلّ تكذيب لخبر قد يساهم في ترويجه من غير قصد.

ففي زمن “الإضطراب الإعلامي” ينشأ التضليل في مواقع هامشية و منتديات مجهولة و منها يجد منفذا عبر منظومة البيئة الإعلامية حيث تمثّل التغطية الصحفية من قبل وسائل الإعلام التقليدية الرئيسية  mainstream ، قمّة الطّريق و هو هدف يرغب فيه من البداية كلّ واضعي هذه المضامين الكاذبة حسب نموذج ما تسميه الكاتبة “بوق التضخيم” (trompette de l’amplification).

فحجم الأخبار الكاذبة و مداها يحدّده موقعها في منظومة البيئة الإعلامية و لذلك يصبح تحديد توقيت الردّ عليها على درجة من الخطورة. فإذا قرّر الصحفي إثارة الخبر الكاذب بصفة مبكّرة فهو يخرجه من مجال إنتشاره الهامشي حيث يدور بين جماعات محدودة، و يعطيه فرصة رواج إستثنائية بمجرّد إثارة الموضوع، و لكن من ناحية أخرى إذا تأخّرت معالجة الخبر الكاذب، فقد تفشل محاولة دحضه و تصبح “الكذبة” خارجة عن السيطرة.

طرح الأسئلة المناسبة

في الموازنة بين قرار إهمال الخبر الكاذب أو إثارته قصد دحضه، هناك نقطة ترجيح  (tipping point\point de basculement) تمثّل التوقيت المناسب للتغطية التي ستخرج الخبر الكاذب من مجاله الضيق الى مجال إعلامي أوسع و عادة ما تكون هذه النقطة إنتقال الخبر الى مجال الشبكات الإجتماعية بعد نشأته في مواقع هامشية تختصّ بها جماعات ضيّقة فعلى سبيل المثال و بالرجوع الى الواقع البريطاني، يمكن أن يكون ذلك في الإنتقال من قناة 4شنل  4chan  الى شبكة تويتر Twitter . و يختلف هذا الوضع حسب خصوصيات كل بلد و حسب الظرف و على الصّحفي دوما إثارة الأسئلة التالية:

  • ما هو مستوى إنتشار الخبر الكاذب الذي يحتّم قرار معالجته و إثارته لدحضه
  • كيف يمكن قياس هذا الإنتشار
  • كيف التعامل مع مختلف وسوم الهاشتاغات  hashtags التي تروج على شبكة تويتر؟  فهل يجب التوقّف عند إرتفاع عدد المستعملين أو إعتبار نوعية مستعملي الوسم، كأن تغلب عليهم شريحة السياسيين او الإعلاميين؟

تطرّف، تآمر، تلاعب

لآيكفي أن نوفّق في إختيار الوقت المناسب لدحض المضمون الإعلامي المضلّل، و يجب أن نكون على إطّلاع على الأساليب التي تسمح بذلك مع تقليل خطر مضاعفة رواج الأخبار الزّائفة. و تتناول الكاتبة ثلاثة نماذج تطرح مثل هذا الإشكال: التطرّف عقلية المؤامرات و التلاعب بالمضامين الإعلامية.

  • تتعلّق الحالة الأولى بمانيفستو (بيانات إيديولوجية) مخطّطو عمليات القتل الجماعي التي ينشرونها على شبكة الإنترنت قبيل تنفيذ عملياتهم و ترى الكاتبة ان مثل هذه البيانات يمكن ان تستقطب أنصارا فعلى سبيل المثال مانيفستو الإرهابي النورفيجي أندرز برايفيك  Anders Breivik (هجوم 2011) هو الذي ألهم منفّذ عملية الهجوم على مسجدين في مدينة كريست تشارش  Christchurch (نيوزيلاندا مارس 2019)  الذي بدوره ألهم عبر بيانه، منفّذ هجوم مدينة آل بازو El Paso (ولاية تكساس الأمريكية أوت\أغسطس 2019) .
  • تنشأ نظريات المآمرة على الغالب في فضاءات هامشية قليلة الإنتشار و لهذا السبب يمثّل تناولها في وسائل الإعلام التقليدية، حتى عندما تريد دحضها مسؤولية بالنسبة الى الصحفي الذي قد يساعد من غير قصد على ترويجها، مما يؤكّد أهمّية التفكير في طريقة تناول مثل هذه المواضيع و الزمن المناسب لذلك.
  • تدلّ عبارة مضمون تمّ التلاعب به  contenu manipulé مادّة إعلامية أصليّة (صورة او شريط فيديو)، تمّ تعديلها جزئيا و هي طريقة ناجعة للتضليل الإعلامي حسب الكاتبة “نظرا لميل الناس العفوي لتصديق ما يرونه”.

على الصحفي عندما يعالج مثل هذه المواد التي قد يرى فيها بعض القيمة الإعلامية ان يتساءل حول جانبين، يتعّلق الأوّل بالمصطلحات و الثاني بإعادة نشر المضمون المضلل عبر الإقتباس.

فبالنسبة للمصطلحات ما هي افضل طريقة لتقديم النصوص التبريرية التي يبادر المتطرفون بنشرها حول عملياتهم فهل يجب إستعمال عبارة “مانيفستو” أو الإقتصار على كلمات اكثر حياد مثل “وثيقة” او “نصّ”؟ كذلك كيف يمكن وصف المضامين المضلّلة؟ قد يكون من الأفضل السّعي الى شرح الفرق بين”التلاعب بالمضامين” و “المضامين الكاذبة” وقد يتسبّب ذلك في غموض عند القارئ خاصّة عند إعتماد الصّور و أشرطة الفيديو الأصلية.

دمج الروابط أو حجبها؟

و تبقى المشكلة المحورية التي تطرحها التّغطية الإعلامية للمضامين المضلّلة، هي طريقة إعادة نشرها عبر الإقتباس. فكيف نقحم مادّة كاذبة مثل صورة أو فيديو في تقرير إخباري؟ فهل نلجأ الى إستعمال لقطة شاشة capture d’écran أو ندرج الرّابط الذي يحيل الى المادّة المضلّلة أو نضمّن المادّه المضلّلة الأصلية؟ و بالنسبة للنصوص المكتوبة ما هو الكمّ المناسب الذي يجب أن يتاح الإطّلاع عليه من قبل القارئ، و بأية طريقة؟

لهذه التساؤلات تبعات تقنية بحتة فالتمشّي الطبيعي لكلّ صحفي يعالج مادّة مضلّلة، هو أن يدمج الرابط الإلكتروني، حيث نشرت هذه المادّة الإعلامية التي يريد دحضها و لكنّه بهذه الطريقة يمنح لهذه المواقع المضلّلة فرصة رواج، و كذلك إذا لم يورد الرابط و إكتفى بدمج لقطة شاشة فهو ايضا قد يستحث فضول القرّاء للبحث عن الموقع و زيارته و هكذا تصبح عملية مقاومة المادّة المضلّلة فرصة لترويجها و مضاعفة إحصائيات زياراتها و تحسين تصنيفها و فرص ظهورها في نتائج عمليات البحث عبر محرّكات البحث الإلكترونية.

هناك حلّ جزئي لتجاوز هذا الإشكال يسمح بتعطيل فرص تحسين تصنيف المواقع المضلّلة من قبل محرّكات البحث و يتمثل في إضافة قيمة  « no-follow » الى العنوان الإلكتروني للموقع  «HTML»، إذا قرّرنا إدراجه عند معالجة المادّة المضلّلة. و يتمّ ذلك بإضافة هذه العبارة  ( rel= »nofollow )، فهذه القيمة لا تعطّل زيارة القرّاء الى الموقع، لكنّها تسمح بعدم إعطائه فرصة إضافية لتحسين ظهوره في نتائج البحث.

عالم الإعلام المضلّل يتميّز بتعقّده و تغطية مثل هذه المواد الإعلامية تتطلّب معالجتها، درجة عالية من الحرص. تقول الكاتبة كلير واردل  Claire Wardle: “على الصحفي أن يكون واعيا بتلوّث البيئات الإعلامية التي يتعامل معها و على حذر من السقوط في مضاعفة ترويج الأخبار الكاذبة كلّما أراد مقاومتها”. فيجب الإنتباه الى كلّ مراحل نشأة الأخبار و إنتشارها و طرح الأسئلة المناسبة، فهي التي تسمح “بتحقيق الهدف الجوهري من الصحافة: منح القارئ قصصا إخبارية سليمة حول العالم الذي نعيش فيه”.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالنسخة الفرنسية للمرصد الأوروبي للصحافة وترجم من قبل الدكتور المهدي الجندوبي. وهو أستاذ مساعد، بمعهد الصحافة و علوم الإخبار، تونس.  متقاعد منذ سنة 2013 حاصل على دكتوراه حلقة ثالثة في الإعلام من جامعة باريس 2 ، سنة 1979. عمل في الحقل الصحفي ثم التحق سنة 1980 بالجامعة لتدريس الصحافة و الإعلام في تونس ثم البحرين و ابوظبي. نشر كتاب صحافة الوكالات صحافة الأساس، منشورات معهد الصحافة، تونس 1984 (باللغة الفرنسية) و مؤلف مشارك في كتاب ثنائي مع د.عوض هاشم: دليل كتابة الخبر، نشر وزارة الثقاقة بالبحرين، 2010. ويشرف منذ  2010على مدوّنة تعنى بالتحرير الصحفي: www.journalismwritingcourses.blogspot.com

وسوم:

Share This