تقلّص زمن قراءة موضوع صحفي ليس دائما سلبيا

15 مارس، 2020 • آخر المقالاتأبرز المواضيعاقتصاد الإعلامالتحقق من المعلوماتنماذج اقتصاديّة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @ Pixabay

يقاس الإستهلاك الإعلامي حسب طول الزّمن الذي يخصّصه القرّاء أو المستمعون الى موضوع أو الى حصّة. فبالنسبة إلى وسائل الإعلام، كلّما زادت دقائق إنتباه الجمهور، كلّما زادت المداخيل الإعلانية. لكن ما هي دلالة هذه الفترة الزمنية لللإستهلاك الإعلامي من وجهة نظر الجمهور المستعمل؟ هذا هو السؤال الذي طرحه فريق من الباحثين من الجامعة الحرّة لأمستردام ( هولاندا ).

بالنسبة الى وسائل الإعلام “إن الوقت هو مال” أو بالأحرى الوقت الذي يخصصه الجمهور للتعرّض الى موضوع منشور أو حصّة، إذ عادة ما يقاس الإستهلاك الإعلامي بطول فترة التعرّض، و تنتج عن ذلك تبعات ملموسة تضع وسائل الإعلام في صراع دائم للحصول على إنتباه الجمهور لأنّ هذا الإنتباه يعتبر موردا محدودا إذ يستعمل كمقياس لتوزيع مداخيل الإعلان.

زاوية تجربة المستعمل

إعنماد الزمن كمقياس لللإستهلاك الإعلامي له دلالة من وجهة نظر إقتصادية، لكنه لا يعكس بالضرورة ما يجري من زاوية المتلقّي و تجربته الملموسة. هذا ما يذهب اليه الباحثان تيم قروت كرمنليك و إيرين كسترا مايجر Groot Kormelink , Irene Costera Meijer

  اللّذان نشرا في مجلّة الدراسات الصحفية Journalism Studies مقالا تحت عنوان: “الزمن المخصص من زاوية المستعمل: التجربة الزمنية لمتابعة الأحداث اليومية-الجارية” « A User Perspective on Time Spent: Temporal Experiences of Everyday News Use » . يعتبر الباحثان أن ” الزمن ككلّ مؤشر ليس محايدا لذلك من المفيد إكتشاف باكثر دقّة ما يسمح بقياسه، خاصّة و أن مقياس الزمن هو الذي سيتكرّس ليصبح المقياس المهيمن لتحديد الإستهلاك الإعلامي”.

ينتقد الباحثان ثلاث أفكار مسبقة منتشرة في الوسط الصحفي و عند الباحثين الإعلاميين، الأولى كما ذكرنا ذلك سابقا هي تحديد الإستهلاك الإعلامي على ضوء الوقت الذي يخصّصه القرّاء لصفحة رقمية أو موضوع أو حصّة و يسمي الباحثان هذا الوقت “الزمن المخصّص” و يقاس بالثواني و الدقائق. و الفكرة المسبقة الثانية هي الإنطلاق من هذا “الزمن المخصّص” لأستنتاج إهتمامات و أفضليات القرّاء. و هذا يضع ضمنيا معادلة تسوّي بين “الوقت المخصّص” لموضوع صحفي و الإهتمام الذي يثيره الموضوع عند القرّاء. و الفكرة المسبقة الثالثة تعتبر أن طول زمن التعرّض لما ينشر هو دائما إيجابي. “يحيل هذا طبعا الى الجانب الإقتصادي و لكن حتى من ناحية إجتماعية، يرى عامّة الناس ان طول الفترة المخصّصة للإطلاع على الأخبار هي في حدّ ذاتها مفيدة”.

يجمع بين هذه الأفكار الثلاث، أنها تشترك في إعتبار وجهة نظر وسائل الإعلام و يذهب الباحثان الى وجوب تناول مسألة الإستهلاك الإعلامي من زاوية المستعمل. “تتناول جلّ الدراسات السابقة، الزمن كمعطى بديهي بينما نعتبر في هذا البحث الزمن كجزء لا ينفصل على تجربة الناس اليومية أثناء تعرّضهم للإتصال و ما هي دلالات هذا الزمن” من وجهة نظر المتلقّي وعلى ضوء ممارساته. و إعتمد الباحثان العديد من الدراسات النوعية السّابقة التي أنجزها فريقهم بين سنتي 2017-2019.

الزمن لا يعكس الإنتباه

بصفة عامّة، تدافع الدراسة عن موقف يرى أن الزمن الذي يخصّصه المتلقّي لمضمون إعلامي، لا يسمح بالضّرورة بقياس مدى إهتمامه أو إنتباهه أو إرتباطه بهذا المضمون، كذلك تخصيص اكثر وقت لمضمون ما، ليس إيجابيا بالضرورة.

فمن ناحية، كمّ الوقت لا يخبرنا عن طريقة توظيف هذا الوقت و لا يعكس نوعيّة الإنتباه و لا مستوى إرتباط المستعمل بالمادّة الإعلامية. و يقدّم الباحثان هذا المثال البسيط و المقنع: فالمستعملون ضمن جمهور الدراسة، الذي يستخدمون نشرية إلكترونية يقومون بإستعراض العناوين و يفتحون في نفس الوقت عدّة مواضيع قابلة بشدّ إهتمامهم معتمدين عدّة علامات تبويب تسمح بعرض \affichage) ( display أكثر من صفحة واحدة على نفس الشاشة (onglets, tab ). و هذا يعني أن كلّ موضوع تمّ فتحه على طوال قترة زمنية معتبرة من دون أن يكون هناك إنتباه فعلي. و ينتج عن ذلك أن قضاء اقلّ وقت مع مادّة إعلامية محدّدة لا يعني بالضرورة غياب الإهتمام، بل على العكس من ذلك قد يدلّ الغلق السريع للصفحة بعد إختيار الموضوع، أن القراءة تمّت فعلا.

كذلك يعرف المستعملون ذوو الخبرة كيف يستعملون أجهزتهم بطريقة ناجعة، و يلجؤون الى إستراتيجيات تقنية تساعد على تخفيض وقت الإستهلاك، “ففي هذه الحالة تقول الدراسة، قصر فترة الإستهلاك الإعلامي يعكس مهارة و براعة المستعمل و ليس عدم إهتمامه”.

كذلك، يخصّص بعض المستعملين اقلّ وقت للإطلاع على المعلومات لأنهم يعتمدون طريقة سريعة و ناجعة لقراءة المضامين التي تهمّهم فيتمّ إستهلاكهم الإعلامي في حصص قصيرة لكنّها مكثّفة و ذات جدوى.

تجربة الزمن تتغيّر حسب الوسيلة الإعلامية

من ميزات إستعمال مقياس الزمن، أنه يسمح بمقارنة وسائل إعلامية متنوّعة و يمكّن من فهم كيف يوزّع المستعملون إنتباههم بين منصّات إعلامية مختلفة. و رغما عن ذلك فإن تناول الزّمن من زاوية المستعمل تبيّن أن تجربة المتلقّي تختلف حسب طبيعة الجهاز المستعمل.

بداية علينا أن نفصل بين إستعمالات وسائل الإعلام التقليدية (جرائد مطبوعة و تلفويون) ووسائل الإعلام الرّقمية. “فحتى و إن كان هذا الفصل بدائيا، فمن الظّاهر أنّ إنتظارات مستعملي وسائل الإعلام الرّقمية تختلف عن إنتظاراتهم من وسائل الإعلام التقليدية بالنّظر الى الزّمن، فهم ينتظرون منها أكثر سرعة و نجاعة”. فالجرائد الإلكترونية تولّد عند المستعملين إنتظارا بأكثر سرعة و سيولة للمعلومات ( smooth ).و نتيجة عن ذلك يعتبر المستعمل كلّ إنقطاع “تقني” ( فيديو أو صفحة لا تفتح، إعلان فجئي )، تدخّل غير مرغوب أو حاجز. فهذا النّوع من الإنقطاع لا يحدث عندما نطالع جريدة مطبوعة، و هكذا “فبالمقارنة مع الإستعمال التقليدي للإعلام تأخذ تجربة الزّمن في أستعمالات وسائل الإعلام الرّقمية، كثافة خاصّة”.

و تتغيّر تجربة الزّمن أيضا حسب كل وسيلة إعلامية، فعلى سبيل المثال عندما يتيح المحمل الإعلامي للمستعمل حرّية إختيار تسلسل قراءاته، مثلما هو الحال مع الجرائد الإلكترونية، إذ يختار المستعمل المواد المرغوبة ثم يتوقّف عند إنتهاء الإطّلاع. بينما عندما تفرض المنصّات على المستعمل نظام تسلسل القراءة ( مثل فايسبوك و تويتر) فإن المستعمل يدركه التّعب أو الإشباع كلّما تقدّمت حصّة إستخدامه. فهذه المنصّات تولّد شعورا بالإثارة يدفع الى إرتباط سطحي و متسرّع مع مضمون المادّة الإعلامية. فيصل المستعملون بسرعة، الى نوع من الإشباع يدفعهم الى مواصلة تحريك الصّفحة ( scroller )، دون التوقّف عند مضمون محدّد حتى و إن بدى على جانب من الأهمّية.

بين الكم و الكيف

تسمح نتائج هذا البحث بتنسيب العلاقة بين الزّمن و الإستهلاك الإعلامي. فمن زاوية المستعمل قد تكون أحيانا طول فترة الإستهلاك الإعلامي متناسبة عكسا مع الإهتمام إزاء موضوع. و إن لم يكن هذا صحيحا دائما، من المفيد ملاحظة ان الزّمن ليس معطى خطّيا، بل على العكس من ذلك فإن دلالته تختلف حسب زاوية النظر (الوسيلة الإعلامية أو المستعمل)، و طبيعة الوسيلة الإعلامية المستعملة.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالنسخة الفرنسية للمرصد الأوروبي للصحافة وترجم من قبل الدكتور المهدي الجندوبي. وهو أستاذ مساعد، بمعهد الصحافة و علوم الإخبار، تونس.  متقاعد منذ سنة 2013 حاصل على دكتوراه حلقة ثالثة في الإعلام من جامعة باريس 2 ، سنة 1979. عمل في الحقل الصحفي ثم التحق سنة 1980 بالجامعة لتدريس الصحافة و الإعلام في تونس ثم البحرين و ابوظبي. نشر كتاب صحافة الوكالات صحافة الأساس، منشورات معهد الصحافة، تونس 1984 (باللغة الفرنسية) و مؤلف مشارك في كتاب ثنائي مع د.عوض هاشم: دليل كتابة الخبر، نشر وزارة الثقاقة بالبحرين، 2010. ويشرف منذ  2010على مدوّنة تعنى بالتحرير الصحفي: www.journalismwritingcourses.blogspot.com

وسوم:

Share This