هيئتا التعديل الاتصالي السمعي البصري في تونس والمغرب: تشابه ظروف المأسسة واختلاف قيمة الوظيفة

8 أبريل، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةالصحافة المتخصصةحرية الصحافة • المحرر(ة)

télécharger

العلم المغربي والعلم التونسي

إن انتقال حركة مراقبة المخرجات الإعلامية خاصة السمعية البصرية، في تونس والمغرب، من حركة مراقبة قبلية تسبق عملية الإنتاج إلى حركة بعدية تقيّم المنتوج ومدى مطابقته للقانون، تعتبر أمرا فارقا في مجال الدفع نحو محاولة تحرير قطاع الإعلام السمعي البصري من هيمنة السلطة عليه عبر مأسسة ودسترة سلطة متخصصة في المجال، وبالتالي الدخول في تجربة جديدة وهي تجربة الهيئات العليا التعديلية للاتصال السمعي البصري في المغرب (2004) وتونس (2013).

إينريك كلاوس الباحث في السوسيولوجيا وعلوم الإعلام والاتصال في معهد جاك بيرك  Jaques  Berque  أراد إلقاء الضوء على أهمية انتقال حركة الرقابة على وسائل الإعلام السمعية البصرية من قبلية إلى بعدية في دراسة عنوانها التجربتان المغربية والتونسية في التعديل السمعي البصري. وقد رصد تطور هذا الانتقال وكيفية حدوثه عبر مقارنة التجربتين المغربية والتونسية من ناحية التاريخ السياسي للبلدين والسياقات الإعلامية قبل بعث الهيئات التعديلية ونتائج ظهورهما والمصاعب التي واجهت الهيئتان أثناء التشكل.

تتشكل مقارنة إينريك كلاوس في هذه الدراسة من رصد جدلي متتالي لتطور تاريخ وسائل الإعلام في تونس والمغرب منذ استقلال البلدين إلى فترة التحولات في المنظومة السياسية، أي نهاية نظام زين العابدين بن علي وهروبه من قصر قرطاج سنة 2011، والإصلاحات الدستورية في المغرب في السنة نفسها. ثم تقوم الدراسة بعرض السياقات الدقيقة التي ولدت فيها الهيئتان HACA وHAICA ونتائج انتصاب الهيئتان والمصاعب التي واجهت كل منهما، ليخلص البحث إلى استنتاجات حول كيفية القطع مع نظام الرقابة القبلي الذي يتناقض مع مبادئ تحرر الإعلام ومحاولة التعرف إلى مفاهيم جديدة حول السيادة على وسائل الإعلام.

ورثت أنظمة ما بعد الاستعمار العديد من وسائل الإعلام التي تركها أنظمة الحماية في كل تونس والمغرب )انتصبت خاصة في فترة ما بين الحربين بين 1928 في المغرب و1938 في تونس( وأعادت أنظمة الاستقلال صياغة وظيفة تلك الوسائل كي تكون مرتبطة بالسلطة فتشرح سياساتها وتبرر وجودها، وقد ارتبطت التلفزيونات الرسمية في الستينات بأحداث محلية مثل افتتاح بث التلفزيون المغربي يوم عيد العرش المغربي وكذلك الأمر في تونس ارتباطا بعيد الجلاء عن بنزرت.

ويشير كلاوس في دراسته إلى أن وسائل الإعلام بقيت بهذه الكيفية زمنا طويلا وهي مرتبطة بالسلطة وعناصرها، حتى أن السماح بتأسيس وسائل إعلام جديدة كان في علاقة مباشرة مع المقربين من النظامين )موزاييك، M2، حنبعل، نسمة، شمس إف أم…(، حتى جاءت لحظة التغيير السياسي كي تنعكس على المشهد الإعلامي وتتشكل هيئات تعديلية تركز أهم السلطات في مجال الإعلام بين يديها ولها صبغة مستقلة عن السلطة السياسية.

انتهت أحداث التغيير السياسي في تونس بحكومة انتقالية ترأسها الباجي قائد السبسي والتي تشكلت في عهدها الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال INRIC ومن خلالها تكونت بعد ذلك الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري HAICA. توازى ذلك مع إعلان الملك محمد السادس في المغرب عن جملة من الإصلاحات الدستورية تعطي صلاحيات أكثر للبرلمان والحكومة.

ولئن كانت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بالمغرب HACA قد تشكلت قبل نظريتها التونسية HAICA بتسع سنوات )2002( إلا أن معركة دسترة الهيئتان ودسترتهما فعليا كانت في الفترة نفسها تقريبا أي بين 2011 و2012، وذلك بالنظر إلى ظروف قد تختلف وقد تتشابه في أوضاع متباينة.

تشير دراسة إينريك كلاوس التجربتان المغربية والتونسية في التعديل السمعي البصري   إلى أنّ الهيئة المغربية كانت قد تأسست بمقتضى ظهير ملكي وتكون لدى المؤسسة الملكية اليد العليا في تعيين المشرفين على الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، في الحين الذي تشكلت فيه الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس بمقتضى قانون في شكل مرسوم وهو المرسوم 116. ولئن اختلفت صيغ تشكيل الهيئتين إلا أن الرهان الحقيقي يكمن في دسترة الهيئتين حتى يكون لهما السلطة الفعلية في الرقابة البعدية.

وقد تم ذلك بالفعل بالرغم من بقاء الهيئة المغربية رهينة القرار الملكي بشكل أو بآخر (الفصل 165 من الدستور). ولم يبق أمام الهيئة التونسية بذلك وبعد دسترتها (الفصلين 122 و124 من دستور 2014) سوى غرس ثقافة التعديل الإعلامي والاتصالي نظرا لتعددية المشهد الإعلامي في تونس من جهة ورفض نقابة أصحاب المؤسسات الإعلامية للهيئة ووظيفتها من جهة أخرى وكذلك الضعف النسبي للهيئة العليا الجديدة. عكس النموذج المغربي الذي تحضى فيه الهيئة بقوة سياسية وقانونية نافذة داخل مشهد إعلامي أصغر من نظيره التونسي.

يبرز ضعف الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري بتونس من خلال تعقيد إجراءات تعيين وانتخاب أعضاء الهيئة. فبقطع النظر عن الشروط التي يجب أن تتوفر في الأعضاء المرشحين والتي تحتمل تأويلات عديدة )مشهود لهم بالخبرة والكفاءة والنزاهة وغيرها( فإن عملية الاختيار والانتخاب تخضع لمعادلات سياسية وتعقيدات التحالفات وموازين القوى البرلمانية، أما عن الهيئة المغربية فإن أغلبية الهيئة وحسب تعديل 22 سبتمبر 2016 تعين من قبل الملك، أي الرئيس وأربعة أعضاء من أصل تسعة أعضاء. لكن بالتأمل في النموذجين فإن الهيئة المغربية ستكون أقوى نظرا لطبيعة الشرعية التي لدى أغلبية المؤسسين، أما في تونس فالأمر متروك للتغيرات السياسية المتتالية وغير المستقرة بشكل دائم.

لئن تمكنت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في تونس من الانتصاب وخلق قانون والعمل الفعلي على التعديل فإن العقبة التي أمامها الآن هي السيطرة على الأدفاق الإعلامية الخارجية والتي تنافس الداخل خاصة من دول الخليج وتركيا وهي المهمة السيادية التي أمامها. أما بالنسبة للمغرب فإن التعددية الإعلامية النسبية هدفها تغطية الحاجيات الإعلامية للجمهور المغربي المتنوع (مهاجرون وأمازيغ وجمهور محلي…) وكذلك حسب الوظيفة الإعلامية للقناة كالتربية الدينية والتثقيف والإخبار والترفيه، وهنا مكمن عمل الهيئة المغربية في تغطية كل هذه المجالات.

حقوق الصورة @journalistesfaxien

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share This