خطاب التفاوض الفلسطيني-الإسرائيلي:أيّ استـراتيجيــات اتــصالية معتــمــدة؟

6 يوليو، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالتغطية الإعلاميّةالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

Palestinian-Israeli-negotiations-1

شهد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي فصولا عديدة من تقتيل وتهجير وفصولا أخرى تضمّـنت محاولات “سلمية” لحلّ هذا النزاع مع توقيع الطرفان لاتفاق “أوسلو” في 13 سبتمبر 1993 برعاية الولايات المتحدة الأمريكية “عرّاب” عملية السلام.  ومثل ذلك التاريخ المنعرج في العلاقات الفلسطينية-الإسرائيلية باعتباره مؤسسا لمرحلة حاسمة في المنطقة، شهد المسار السلمي تعثرات فرضها نسق المفاوضات وطبيعتها والأحداث الإقليمية والعالمية إضافة إلى الخطاب التفاوضي المعتمد.

وبتحليلنا، في إطار رسالة دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال بـمعهد الصحافة وعلوم الإخبار (تونس)، لعدد من الخطابات التي ألقتها هذه الأطراف في مناسبات رسمية للوقوف على أسس هذا الخطاب التفاوضي ظاهرا وباطنا ومعرفة الأسباب الاتصالية التي قد تكون ساهمت في إفشال الحوار في عدّة مناسبات، توصلنا إلى النتائج التالية :

تـصـوّرات المتـفـاوضيـن

مرّ الخطابان الفلسطيني والإسرائيلي بفترتين مختلفتين جعلت منهما خطابان متشابهان على المستويين الإيجابي والسلبي. فاتّـسما بالإيجابية من بداية المسار التفاوضي إلى حدود مؤتمر “أنابوليس” سنة 2007 وهو ما انعكس على الصورة التي حاول كلّ مخاطب ترويجها سواء كانت صورته أو صورة الطرف المقابل خلال العملية التفاوضية ليتضمّـن الخطابان كل المعاني الإيجابية. ومع توجّـه المفاوض الفلسطيني إلى المنبر الأممي غيّر الطرفان القواعد اللغوية باللجوء إلى اللغة المانويّـة التي اقترنت باعتماد خطاب الضحية فتغيّـر “الشريك” من فاعل إيجابي إلى فاعل سلبي بصفاته وأفعاله وقيمه ومرجعيّـاته.

وتعني هذه النتيجة اتصاليا محافظة كلا الطرفين على الهدف الأساسي لخطابهما وهو التأثير في المتلقّي وإقناعه بشرعية موقفه وتوجّهاته باعتباره صاحب الحق والطرف المتضرّر في هذا النزاع. فاعتمد كلّ طرف خطاب الضحيّة لكسب تعاطف المتلقي ومساندته في تبريره للأحداث والمواقف مع مغالاة المخاطب الإسرائيلي في لعب دور الضحية كلّـما تمّ التضييق عليه من الرأي العالمي بالتركيز على معاناة مواطنيه وخوفهم المستمرّ.

كما اعتمد طرفا النزاع اللغة المانوية وأصبح كل مخاطب يسوّق لنفسه صورة “الخيّـر” “المتضرّر” وللآخر صورة “الشرّير” “المعتدي” للتأكيد على شرعية الموقف وردود الأفعال. فكان الخطاب الإسرائيلي خطابا دعائيا قويا لهذه الصورة بهدف ترسيخ صورة “الكيان المسالم” الذي لا يطلب سوى قبوله الطبيعي في المنطقة والتعايش السلمي مع دول الجوار، وحاول بتضخيمه لصورة إيران أن ينفي عن نفسه الصورة السلبية التي سوّقها المفاوض الفلسطيني جاعلا من نفسه “ضحيّـة” تدافع عن نفسها أمام تعدّد الأخطار والمعادين لها في المنطقة.

ولإبراز دور الوسيط، اعتمد المتفاوضان لغة التمجيد وخطاب البطل وهي الصورة التي واصل المفاوض الإسرائيلي ترويجها حتى في المنبر الأممي خلافا للمفاوض الفلسطيني. ومن جهته عمل  الوسيط على تأكيد صورة البطل المنقذ باستعمال اللغة المانوية المؤسّـسة على ثنائية الخير والشرّ كمبدأ وحيد يقوم عليه العالم. كما سعى أيضا إلى تسويق صفة الحيادية في اضطلاعه بدور الوساطة .

الاستراتجيات الاتصالية

 اعتمد الطرفان سياسة اتّصالية تأثيريّة انبنت على مقصدية تأثيرية هدفها توجيه المتلقّـي نحو الاقتناع بأطروحة المُخاطِب. فعمل كلّ مفاوض، لإثبات شرعيّة موقفه وأطروحته، على ضرب شرعية الطرف الآخر ونفيها من خلال التركيز على الرغبة في الأمن والتعايش السلمي. وهو ما جعل من كلّ خطاب يرتكز على بالحجاج التوجيهي الذي يهدف إلى استمالة العقل والعاطفة في نفس الوقت من أجل التأثير في المتلقّـي وجدانا وفكرا وبالتالي موقفا. وهذا ما يفسّـر سيطرة استراتيجيّة الدّفاع في الخطاب الفلسطيني بنسبة % 48,88 وفي الخطاب الإسرائيلي بنسبة 65,84 %.

سيطــرت الحجج الواقــعية على خطــابات المفاوضين والوسيـط حيث مثّـلت %93,58   بالنسبة للمفاوض الفلسطيني و%95,15 بالنسبة للمخاطب الإسرائيلي و %98,39بالنسبة لراعي العملية السلمية. واعتمد طرفــا التفــاوض النمط الاقتناعي للحجج المستعملة بنسبة %95,62  في الخطاب الفلسطيني وبنسبة  %52,15  في الخطاب الإسرائيلي  في حين اعتمد الوسيط الأمريكي النمط الإقناعي  بنسبة  % 67,74.

توخّى المخاطب الفلسطيني في البداية استـراتيجـية التعاون التي عكست مرحـــلة الأمـــل في التفاوض فارتكزت خطاباته على النظريّة الكلاسيكيّة حيث سعى إلى إنجاح الحلّ السلمي. ومن أجل ذلك قبل بالقليل وبسياسة التقدّم المرحلي للمحادثات ممّـا وضعه تحت الضغط الداخلي وضغط الوسيط والشريك ممّا أفرز نتائج هزيلة وضبابية  دفعت به  إلى التوجه إلى الهياكل الأممية واعتماد حملة اتصالية ترتكز على الحلقة الأقوى وهي المرجعية القانونية الدولية فراوح بين استـراتـيجـية “الدفـاع” واستراتـيجـية “الصراع والنقـض”.

وفي المقابل توخّـى المفاوض الإسرائيلي استراتيجية الإنـهاك والمـمـاطلة، فاتّـسمت استراتيجيّته الاتّصالية وسياسيته التفاوضيّة بالوضوح خدمة لمصلحته المتمثلة في إسقاط قرارات الشرعية الدولية. فعمل منذ البداية على استنزاف وقت الفلسطينيين  وجهدهم  بحيث لا يحدّد مواعيد نهائية مقدّسة ويعيد تقييم الالتزامات وترتيب الأوراق كلّما تجدّد رئيس الوزراء بهدف إحراج المفاوض الفلسطيني وتشتيت ذهنه للتركيز على قضايا مرحليّة عوض معالجة قضايا الوضع النهائي مع استغلال كلّ تنازل فلسطيني واعتماده كنقطة بداية لتفاوض جديد لجني مزيد من التنازلات معتمدا استراتيجيّة التّضليل وقاعدة الإصفاق.

آمّـا الوسيط  الأمريكي، فلم يحد عن استراتيجيّـة ” الدفاع ” المرتكزة على معادلة “لا سلام إلاّ عبر طاولة المفاوضات” بعيدا عن الهياكل الأممية مساندا بذلك الأطروحة الإسرائيلية ، وهو ما يفسّـر اكتساح هذه الاستراتيجية خطابه بنسبة %81,95 وإصراره على أن يكون الوسيط الوحيد للعملية السلمية مع تغاضيه المستمرّ عن فظاعات إسرائيل. وسعيه إلى مساعدة إسرائيل من أجل التطبيع مع العالمين العربي والإسلامي ومع الدول المتعاطفة مع الفلسطينيين وكسر عزلتها الإقليمية بتلميع صورة إسرائيل “الديمقراطية” والمحبّـة السلام. كما ساوى من الناحية الأخلاقية والقانونية بين الاستيطان غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية وحق الفلسطينيين في المطالبة بأرضهم وعمل على استئناف المفاوضات كلّـما شهدت ركودا بالضغط على الطرف الفلسطيني  للقيام بتنازلات جديدة لاستئناف الحوار. وبتدعيم مكانة حليفته إسرائيل بسط لنفوذه في منطقة الشرق الأوسط .

حقوق الصورة @orientalviwew

وسوم:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share This