برامج تلفزيون الواقع الجزائرية: «إعادة إنتاج للخطاب المهيمن في المجتمع»

11 نوفمبر، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @echouroukonline

يلخص هذا المقال بحثنا بعنوان «برامج تلفزيون الواقع وإرهاصات التحوّل في بنية الفضاء العمومي في الجزائر ورهاناته»، قدّم خلال المؤتمر الذي نظمته كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية في ماي 2016، والذي نشرت أعماله في كتاب «الإعلام العربي ورهانات التغيير في ظل التحولات» الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت في ماي 2017.

بعد استعراض أبرز الاتجاهات النقدية للمفهوم الهابرماسي للفضاء العمومي، خاصة تلك التي تنفي شرط الفصل الحياة الخاصة عن الحياة العامة في صياغة هذا المفهوم حاول البحث باستجلاء المعوقات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تواجه تحوّل بنية الفضاء العمومي في الجزائر، انطلاقا من أربعة برامج من فئة تلفزيون الواقع والتي تعرضها القنوات التلفزية الخاصة، وهي (خطّ أحمر)، و(خطّ برتقالي)، و(المحكمة)، و(ما وراء الجدران).

انطلقنا من إشكالية هل تعمل برامج تلفزيون الواقع في القنوات التلفزية الخاصة الجزائرية على إعادة تشكيل الفضاء العمومي، بعد أن شقّت طريقها في إخراج الحياة الخاصة والحميمية إلى العلن، سواء بسردها أومناقشتها أو الاثنين معا؟ أم أنها تسعى إلى إعاقة تحوّله؟ ووفق أي إستراتجيةّ؟

إجابة على هذه الإشكالية اعتمد البحث على تحليل عينة من حلقات برامج تلفزيون الواقع الأربعة التي تبثّها القنوات الجزائرية الخاصة، والتي تتمحور حول حكايات شخصية وحميمية يسعى المشاركون فيها إلى سردها في هذه البرامج من اجل «إثبات وجودهم وانتزاع حق الاعتراف بهم وبناء ذاتهم في إطار أوسع، بينما تسمح للمشاهدين فهم معايير السلوك التي يجب أن يتقيدوا بها في مختلف الوضعيات في حياتهم».

خلص البحث إلى عدة نتائج على مستوى بنية البرامج مضمونها، فاختيار كل من برنامج (خط احمر) و(ما وراء الجدران) جلوس الضيف في زاوية مظلمة دون الكشف عن وجهه وهويته مقابل جلوس المقدم أو المقدمة في زاوية أخرى إلى جانب الأخصائيين أو الإمام، دلالة على عدم تبني القناة التلفزيونية للموضوع المطروح.

كما خلص البحث إلى أن الهدف من عدم كشف هوية الضيف لا يكمن في حمايته من المجتمع أو احتراما لخصوصيته، بل يدل على اختيار توجيه رسائل مفادها أن هذه الحالة هي استثنائية «تجري غالبا في الخفاء» ويجب أن تبقى كذلك.

وتعتمد برامج تلفزيون الواقع التي شملها البحث قوالب تعبيرية تقريرية أو سردية لرواية قصة الضيف للمشاهدين، حيث يستند برنامج (الخطّ البرتقالي) إلى بث شهادات المواطنين في الشارع حول موضوع القصة التي تعرّض لها الضيف، وغالبا ما تكون آراء المواطنين مستنكرة لهذا الموضوع إن لم تنف وجوده. ولا تلتجئ إلى الأخصائيين لإثارة النقاش حوله. كما هو الحال في البرنامج الذي تناول مسألة المثلية في المجتمع.

وتعتمد البرامج الأخرى على أسلوب «التحقيق»، حيث يلجأ كل من المقدم أو المقدمّة أومن يشاركونه في البرنامج، مثل المحامي والإمام، إلى مساءلة الضيف «عن توبته» من الفعل الذي استدعى حضوره إلى البرنامج والذي تطلب إخفاء هويته، كما تلجأ إلى طرح الأسئلة التي تدفع الضيف للانهيار والبكاء والذي يتبعها، في اغلب الأحيان، فاصل إعلاني «لإنتاج» الفرجة. إن التركيز على البكاء ينفي وجود أثار لقضايا التي أثارت الفرجة ويعمل على رفع عدد المشاهدين.

إن الهدف من وجود هذه البرامج ليس معالجة قضايا تمثل طابوهات في الجزائر، وطرحها على النقاش العمومي، مثل «إنجاب الأطفال خارج العلاقات الزوجية، الاغتصاب والشعوذة»، بل التأكيد على أن هذه الظواهر غريبة على المجتمع (حسب تعريف مقدمي برامج تلفزيون الواقع للقضية التي سيتم تناولها، أو من خلال أراء المواطنين الذين يتم استجوابهم).

تقدم برامج تلفزيون الواقع التي شملها البحث صورة الضيف الذي تعرّض أو عاش احد التجارب التي يعتبرها المجتمع الجزائري دخيلة عليه أو لا تمتّ للإسلام بصلة، على انّها حالة استثنائية يجب إقصاؤها من المجتمع ومن «الحوار العمومي» وعدم السعي لإيجاد حلول لها وتنتهي بــ«الاكتفاء بالدعاء وطلب الهداية والتوبة للمتسببين في هذه الظواهر أو الذين يعانون منها».

ومن هنا يستنتج البحث أن الهدف من طرح هذه الحكايات والتجارب في تلفزيون الواقع ليس التعمق في ما عاشته هذه الحالات والسعي إلى «كشف مسبباتها وإثارة النقاش حولها بغية توصيله إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، ليحوّل إلى قوانين وقرارات». وهكذا يخرج مفهوم تلفزيون الواقع في الجزائر من مسلمات بعض الباحثين الذين اعتبروا أنّ طرح الأشخاص لتجاربهم الخاصة ومشاكلهم في البرامج التلفزيونية سيحول «انشغالاتهم المخصوصة» إلى مشاكل عمومية تدفع السلطات المعنية إلى معالجتها وإيجاد الحلول لها.

لقد أكّد البحث صعوبة الحديث على أن تلفزيون الواقع في القنوات الجزائرية الخاصة يشكل فضاءً عموميا نتيجة لطابعه الانتقائي والإقصائي في النقاش، ولغايته التجارية. إنه يستثمر في المواضيع الحساسة والتي تعد من الطابوهات لرفع عدد مشاهديه فقط، وبالتالي كسب المزيد من الإعلانات. هذا إضافة إلى «تحويل ما يطرح في هذه البرامج من مشاكل وقضايا ذات طابع اجتماعي ومجتمعي إلى مشاكل شخصية، بل ذاتية، جعلت منها منبرا إضافيا لإعادة إنتاج الخطاب المهيمن في المجتمع».

ملاحظة: تلخيص وداد حمدي

وسوم:

Share This