كيف يمكن مقاومة الأخبار الكاذبة في بيئة يغلب عليها التشكيك في النّخب؟

6 أكتوبر، 2020 • آخر المقالاتأبرز المواضيعإدارة قاعة الأخبارالإعلام الرقميالتحقق من المعلوماتالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @ Jurgen Appelo (

أضحى انتشار الأخبار الكاذبة في شبكات التواصل الاجتماعي، يمثّل مشكلا اجتماعيا حقيقيا. و لمقاومة هذه الظاهرة تقدّم الصحفيون المدققون الى الخط الأمامي، لمراقبة الأخبار التي تنشر عبر الإنترنت ولتصنيف المواقع. يراجع الباحث رومان بادوار هذه التجارب التي تنطلق من نوايا حسنة لكنه يتساءل عن حدود مثل هذا العمل خاصة في بيئة فكرية يغلب عليها تحدّي النخب والتشكيك في مرجعياتهم، ويوجّه الى تجارب تدقيق إخباري تعاوني.

نشأ سنة 2017 جدل مهني رافق بعث فريق من الصحفيين المدققين من الجريدة اليومية الفرنسية لوموند لموقع متخصص في إحصاء وتصنيف المواقع الإخبارية الناطقة باللّغة الفرنسية. ويهدف هذا الموقع الذي تم بعثه تحت مسمى Decodex، الى تصنيف المواقع الإخبارية حسب شبكة معايير تقيّم مصداقية مضامينها مجسّمة في المنهج المهني المعتمد لإنتاج الأخبار ومدى الإلتزام بالأخلاقيات المهنية مثل تقاطع المصادر وربط التحاليل بالحجج المناسبة.

جدل على خلفية سوق إعلامية مفتوحة

ودار الجدل حول أحقية صحفيين ينتمون الى جريدة في تنصيب أنفسهم حكما يدّعي التقييم الموضوعي لمضامين المواقع الأخرى بينما هم طرف وحكم في نفس الوقت، لأن المواقع الأخرى هي في وضعية المنافس لهم. فالصحفيون المدققون الذين ينشطون في موقع  Decodex ينتمون الى ما يسمى وسائل الإعلام “التقليدية” وهم ضمن سوق أصبحت فيها ظاهرة “الأخبار الكاذبة” التي تقرأ ويقع تبادلها، مضامين إعلامية واسعة الانتشار وذات قوّة تنافسية تسمح لها بالوقوف بجدّية أمام المقالات الصّادرة عن هيئات التحرير “الكبرى”.

وهكذا تقدّم مبادرات التدقيق الإخباري بصفة عامة ومبادرة موقع Decodex، بصفة خاصّة كأنّها محاولة لإسكات المنافسين ويذهب بعض نقّاد تجربة جريدة لوموند المغالين ، الى إعتبارها شكلا من “محاكم التفتيش” خاصة وأنّها تضع قائمة في المواقع المخلّة.

ويرى هؤلاء النقّاد أن “الموضوعية” الإخبارية لا توجد في المطلق وأن كل الصحفيين لهم مرجعية أيديولوجية وتاريخ خصوصي وتموقع سياسي وهم ينتمون الى مؤسسات تفرض عليهم وتيرة وإكراهات توجّه معالجة الأحداث الجارية. وهم يحررون مواد إعلامية تمثّل منتجا معدا للإستهلاك الجاري يعرض في سوق الإعلام حسب قاعدة العرض والطّلب وهذه كلّها محدّدات لها أثر مباشر على صياغة الأخبار.

أزمة الديمقراطية ونقد النّخب

وإذا تجاوزنا هذا الجدل حول أحقّية من يعود لهم “قول الحقيقة العامّة”، وموقع المدقّقين كطرف في المنافسة، فإن مبادرات التدقيق الإخباري تطرح ببساطة تساؤلات أخرى تجدر إثارتها منها مدى نجاعة مثل هذه المبادرات. فالأخبار الكاذبة ليست فقط نتيجة تفكّك المنظومة التقليدية لجمع الأخبار وتوزيعها تبعا لاقتحام شبكات الإتصال الإجتماعي لهذا المجال، ولكنها أيضا مؤشر جديد على التحدّي السياسي والتشكيك الذي تواجهه المؤسسات والشخصيات التي تمثّلها.

فإذا تحوّلت الأخبار الكاذبة الى صناعة مزدهرة تسعى الى جلب المداخيل الإعلانية التي توفّرها زيادة الزيارات بمجرّد الضغط على الرابط، فذلك سببه أن هذه المضامين وجدت إستحسانا عند جمهور عريض يستهلكها ويعيد توزيعها مساهما في إرتفاع رقعة رواجها. ويصعب اليوم تقديم تفسير مقنع لمثل هذا القبول الواسع وخاصّة إعادة التوزيع عن طريق التشارك لمثل هذه المضامين. فبالرجوع الى الدراسات الإجتماعية، حول إنتشار الإشاعات يمكن أن نقول أن المشاركة في نشر الإشاعة يمثّل قبولا للنظرة التي تحملها الإشاعة حول العالم والقيم الضّمنية التي تشتمل عليها، من غير أن يكون من إنخرط في سلسلة نشر الإشاعة مقتنعا فعلا بصدقها.

وهكذا فإن قاعدة البيانات التي وضعها موقع ديكودكس لجريدة لوموند، تخبرنا بصفة غير مباشرة على مختلف أشكال الإستياءات السياسية التي تكون الأخبار الكاذبة وعاءها. وبعد تحليل الأخبار الكاذبة السياسية نجد أن 3|4 منها تهاجم المسؤولين المباشرين والمؤسسات وأكثر من النصف يدور حول الضرائب والتصرّف في المال العام. وتسود لهجة غالبة مناهضة للنظام ومعادية للأجانب خاصة وأن جلّ المواقع التي تنشر الأخبار الكاذبة في فرنسا، تدور في فلك اليمين السياسي المتطرّف. وتوظّف أغلب هذه الأخبار قيمة “الظلم” و”غياب العدالة” كإطار مفاهيمي لتفسير الأحداث الجارية.

فكيف يمكن إذا في ظرف يتميّز بتفاقم الأزمة الديمقراطية حيث تمثّل الأخبار الكاذبة مجرّد وجه من وجوهها، أن ينجح فريق ينتمي الى النّخب التقليدية في التأكّد من صحّة الأخبار المتداولة وتقييم ما يسميه البعض “أعلاما بديلا” وسائطه هي بالأساس شبكات الإتصال الإجتماعي وخاصّة أن يكون ناجعا إقناع من ينتجون ويروّجون مثل هذه “المواد الإعلامية الكاذبة”.

التشكيك المطلق

أبرزت دراسة حديثة أجريت اثناء الحملة الإنتخابية الفرنسية، صعوبة مهمّة التدقيق الإخباري خاصّة عندما تواجه جمهورا يتميّز بالتّحدي والتشكيك. تم تقديم ضمن هذه الدراسة خبر كاذب حول الحملة لمجموعتين مختلفتين. وتمّ تقديم الخبر الكاذب وحده للمجموعة الأولى فإعتقد 22 في المائة منهم أنه خبر صادق و 36 في المائة أنه كاذب وإحتفط 42 في المائة منهم برأيهم. أما بالنسبة للمجموعة الثانية فقد عرضت الدراسة الخبر الكاذب مرفوقا بتكذيب رسمي يوضّح بصريح العبارة،أن الخبر الكاذب خضع الى تزوير. وإن إعتبر 47 في المائة ان الخبر فعلا كاذب فإن 17 في المائة من المجموعة ترى أن الخبر يحتمل الصحّة معتمدين في ذلك على مقولة “لا يوجد دخان من غير نار”، غير مبالين بالتكذيب المرافق للخبر.

وتسمح دراسات جامعية أخرى بتعديل الإستنتاجات السابقة متناولة الشروط التي تسمح لعمليات التدقيق الإخباري من تحقيق أهدافها. وتمثلت دراسة تجريبية أمريكية أنجزت سنة 2017 في عرض أخبار كاذبة على مجموعة تجريبية عبر الفايسبوك وإرفاق الأخبار بأساليب تأكّد من صحتها وخلصت أن المشاركين في التجربة يمكنهم رفض الأخبار الكاذبة بسرعة أكثر كلّما اتيحت لهم مباشرة بعد نشر الخبر أدوات لدحضه وكلّما كانت المصادر مذكورة بوضوح. وبصفة ملموسة عمدت الدراسة الى نشر مواد إعلامية كاذبة وإرفاقها بتعليق يدحض الحجج التي تقدّمها المادة الإعلامية ويدمج رابطا خارجيا يسمح بمواصلة التأكد من صحّتها، وفي هذه الحالة يكون المشاركون في الدراسة أكثر تقبّلا لدحض الخبر. وفي نفس السّياق كلّما إقترحت فايسبوك أخبارا وأرفقتها بروابط مناقضة لمضمون الخبر كلّما تعامل مستعملو الإنترنت مع هذه المواد بعقلية نقدية. وتنبّه الدراسات أنّ رفض الأخبار الكاذبة ليس موقفا فرديا فقط بل هو يتأثر بالسياق العام و بالتوجّه الغلب عند مجموع مستعملي الإنترنت، فكلّما كثر عدد المرات التي يرفض فيها المستعملون مضمون الخبر بوضع علامة إعجاب على المضمون الذي يدحض الخبر الكاذب أو إضافة تعليقات تؤكّد عدم صحّة الخبر، كلّما كان المستعملون الذين يتعرّضون للخبر الكاذب أكثر قدرة على رفضه.

لكن المؤلّفين وقفوا على حدود إستنتاجاتهم عندما إكتشفوا أن المواد الإعلامية الكاذبة التي تدور حول قضايا تبلورت حولها “مواقف قويّة”، يصعب دحضها بعد نشرها حتى في صورة إرفاقها بتكذيب كما ذكر سالفا. وهذا يرسم حدود تجارب التدقيق الإخباري التي تنجح أكثر عندما تتعلّق الأخبار الكاذبة بمواضيع يفتقد إزاءها المتعرّضون للأخبار الكاذبة شبكة فهم وتقييم ثابتة. وإذ نعلم أن أغلب الأخبار الكاذبة تتناول مواضيع سياسية تعكس قناعات إيديولوجية راسخة، فهذا يؤكّد على نسبية صدى تجارب التدقيق الإخباري وقدرتها على تحقيق اهدافها.

نحو تدقيق إخباري تعاوني

فهل يمكن أن نجزم أنه لا فائدة تذكر من التدقيق الإخبار؟ طبعا لا. فالرهان في هذه المعركة الجديدة للإعلام ليس بالضرورة إقناع من يصدّقون الأخبار الكاذبة بحكم قناعاتهم المسبقة، لكنّه يهدف أيضا الى عدم إخلاء الساحة الإعلامية وتأكيد الحضور فيها والتوجّه الى عامّة مستعملي الإنترنت الذين يستعملون الإنترنت كمصدر من ضمن مصادر أخرى وتحسيسهم لمسألة “جودة المعلومات” ومن هذا المنظور تصبح تجارب التدقيق الإخباري شكلا من أشكال التربية على الإستعمال الرّشيد لوسائل الإعلام.

وتطرح ظاهرة الأخبار الكاذبة مسألة الحلول الممكنة لمواجهتها وأولوية الأطراف الفاعلة في الساحة الإعلامية. ففي صورة التخلّي على دور الصحفيين في نشر تجارب التدقيق الإخباري، فهل سنترك وظيفة مراقبة جودة الأخبار الى المنصّات الإعلامية العالمية ومنحهم نتيجة ذلك سلطة تعديل المضامين وهذا الحل سيكون أخطر من مشكلة الأخبار الكاذبة في حدّ ذاتها. فقد بادرت بعض المنصّات تتصدّرهم فايسبوك أثناء الحملة الإنتخابية الرئاسية الفرنسية، بوضع خطّة تعاون لتعديل المضامين، مع هيئات تحرير صحفية ومدارس صحافة. لكنّها من جهة أخرى لم تتردد في الإنفراد بقرارات في إلغاء بعض الصفحات والحسابات، ذات المضامين الجدالية. وهكذا فأن فتح الباب على مصراعية وتمكين المنصّات الناقلة للمعلومات، وهي مؤسسات تجارية خاصّة لها هدف ربحي، من فلترة الأخبار التي تمرّ عبر الشبكة الإعلامية العالمية ومراقبتها، فإن هذا سيشكّل مستقبلا عائقا أمام حرّية التعبير.

وتجدر الإشارة الى تجربة التدقيق الإخباري التعاوني عن طريق بعث دليل الأخبار الإلكترونية، مفتوح لمساهمات منتجي الأخبار كما يدعو اليه مجمّع يعرف تحت مسمّى collectif SavoirsCom1. ومن مزايا هذه المبادرة التذكير بأن مقاومة التضليل الإخباري بطريقة ناجعة، يمكنها أن تعتمد على أشكال الذكاء الجماعي الخاصّ بمستعملي الإنترنت بهدف بناء الثقة بين مختلف الهيئات التعديلية ومجموعات مستعملي الإنترنت. وليس هناك شكّ أن الصحفيين المدققين الإخباريين سبكون لهم دورهم الطبيعي في مثل هذه المبادرات على خلفية كفاءاتهم ومعارفهم وهي إرث ممارسة مهنية راسخة.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالمرصد الأوروبي للصحافة وترجم من قبل الدكتور مهدي الجندوبي

وسوم:

Share This