من أجل خطاب متوازن في التعاطي الإعلامي مع ظاهرة الهجرة

2 مارس، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالتغطية الإعلاميّةالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

Pays 2

الصفحة الأولى للدراسة

 

تجاوز عدد المهاجرين إلى أوروبا والقادمين عبر المتوسط المليون نفرا، وقد اضطرت وسائل إعلام بلدان ضفتي المتوسط لتغطية هذه المأساة وفق المقاييس المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي. وبالرغم من تراجع عدد المهاجرين في 2016 حسب ما أوردته الوكالة الأوروبية للحدود، فإنّ ما لا يقلّ عن خمسة ألاف نسمة هلكوا غرقا أثناء عبورهم للمتوسط.

زد على ذلك فإنّ بعض بلدان شمال إفريقيا التي يعتبرها المهاجرون القادمون من جنوب الصحراء والشرق الأوسط كمناطق عبور أصبحت بلدان إقامة لموجات المهاجرين دون أن تكون لديها القدرة على مراقبة أو تغطية تدفقهم.

ونظرا لتزايد اهتمام وسائل الإعلام بهذه الظاهرة، صدرت مؤخرا النتائج الأولية لدراسة بعنوان ” كيف غطّت وسائل الإعلام في بلدان ضفتي المتوسّط ظاهرة الهجرة؟“. وهي دراسة أجريت ما بين نوفمبر 2016 وجانفي 2017 بتمويل من الإتحاد الأوروبي وبإشراف المركز الدولي للنهوض بسياسة الهجرة.

 إخلالات التغطية الإعلامية

تؤكد هذه الدراسة على كيفية تناول موضوع الهجرة في وسائل إعلام 17 بلدا تنتمي إلى ضفتي المتوسّط وهي: ألمانيا والنمسا وإسبانيا وفرنسا واليونان والمجر وإيطاليا ومالطا  والسويد من جهة، والجزائر ومصر وإسرائيل والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس من جهة أخرى.

كما استعرضت ردود فعل الصحفيين حيال مأساة المهاجرين. وقد تناول القائمون بالدراسة نوعية التغطية الإعلامية في كلّ دولة على حدة، وذلك بالاستناد إلى مقالات صحفية ذات جودة، تروي عمليات إغاثة استوجبتها ظاهرة الهجرة من ناحية وبعض الأعمال الصحفية الأخرى التي تبنّت خطاب الكراهية من ناحية أخرى.

وتبدي النتائج الأوليّة للدراسة أهميّة التغطية الإعلاميّة لتحسيس الرأي العام بمسألة أزمة المهاجرين وإعلام الجماهير بوضعية اللاجئين الحرجة.

إنّ انعكاس الوضع السياسي على الخطاب الإعلامي في موضوع الهجرة انعكاس ملحوظ لا يرتقي إليه شكّ، ويتجلّى هذا الانعكاس أساسا في ممارسة الرقابة الذاتية في قاعات التحرير. ومن جهة أخرى تكشف الدراسة معالجة إعلامية لموضوع الهجرة غالبا ما تكون سطحية وتبسيطية في غياب المستندات اللازمة، كما تبرز أنّ الصحفيين لا يملكون المعلومات الكافية حول الطبيعة المعقّدة لظاهرة الهجرة.

وتؤكدّ الدراسة فضلا عن ذلك على أنّ وسائل الإعلام في بلدان ضفتي المتوسّط تسلك طرقا مختلفة لتروي أحداث الهجرة بأساليب متنوّعة.

ويستنتج من ذلك أنّ قصّة الهجرة تقدّم بروايتين متوازيتين: ففي حين تقدّم بعض وسائل الإعلام مقالات انفعالية تندّد بالوضعية الحرجة للمهاجرين بصفتهم ضحايا، تروي أخري الأحداث المأساوية ووضعهم الأمني الهشّ وانعدام الرفاه الثقافي لديهم.

أمّا فيما يتعلّق بالبلدان المضيّفة فإنّ هذه الدراسة تشدّد على أنّ التغطية الإعلامية تهدف إلى التعاطف والتضامن وإبداء حسن النية تجاه المهاجرين الفارين من مناطق النزاع، لكن بمرور الزمن تغيّر الخطاب الإعلاميّ ليصبح أكثر عداء تجاه المهاجرين، وذلك بنشر أنماط سلوكية عنصرية أو بتسريب خطاب قوامه مشاعر الكراهية.

وبالرغم من أنّ جلّ وسائل الإعلام تبذل قصارى جهدها لتجنّب أي خطاب متطرّف وتحريضي تجاه المهاجرين، فإنّ عددا من الصحفيين عالجوا ظاهرة الهجرة بخطاب عدواني يتعارض مع أخلاقيات المهنة الصحفية.

وفي جانب أخر تؤكّد الدراسة في مسألة التعاطي مع تلك الظاهرة أنّه من المفارقة أنّ البلدان التي احتكت بها تاريخيا وتمرّست عليها تبدو وكأنّها محترزة من المهاجرين، كما أنّ وسائل الإعلام فيها لا تعكس تصريحاتهم. وبالفعل غالبا ما تستند تحقيقاتهم الصحفية إلى زاوية واحدة من الخبر وإلى المصادر الرسمية. بل أنّ بعض الصحفيين يجهلون حتى المسميّات الملائمة لكلّ صنف من أصناف المهاجرين مثل: المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

علاوة على ذلك تخضع التغطية الإعلامية إلى التأثيرات المتزايدة للمواقع الإلكترونية وبالأخصّ إلى مواقع التواصل الاجتماعيّ، كما أنّ تلك المواقع تيسّر انتشار الإشاعات والأخبار الطارئة، الأمر الذي يغذّي بشكل متزايد مشاعر الخوف لدى شريحة واسعة من الجمهور.

في المقابل يؤكّد القائمون بالدراسة على وجدود ضغوطات تخضع لها وسائل الإعلام، وهي عامل نقص الوقت والموارد المتاحة وهشاشة ظروف العمل الميداني وتدنّي مستوى تكوين الصحفيين في التعاطي مع ظاهرة الهجرة وتأثير خطاب الكراهية السائد لدى رجال السياسة أو من خلال اعتماد مصادر مواقع التواصل الاجتماعيّ صلب غرف التحرير.

كما كشف التقرير عن تأرجح التغطية الإعلاميّة بين خطاب يستعرض آلام المهاجرين آخر ينبني على مشاعر التمييز والكراهية تجاههم.

على صعيد آخر ولئن رحّب البعض من رجال السياسة الأوروبيين في البداية بالمهاجرين وغطّت وسائل الإعلام الأحداث المرافقة، فإنّ ذلك الحماس الملحوظ في سياستهم لم يعد بالقدر الذي كان عليه سابقا بالبلدان التّي تعرّضت لهجمات إرهابيّة مثل ألمانيا وفرنسا.

ويستنتج أصحاب هذا التقرير أنّ دور الساسة في مثل هذه الحالة يتمثّل في إطلاق حوار وطني لمجابهة التحديات الجديدة التي تفرضها ظاهرة الهجرة.

 من أجل صحافة ذات جودة حول موضوع الهجرات

توّجت الدراسة بجملة من التوصيات التمهيدية تهدف إلى دعم وتشجيع صحافة حول مسائل الهجرة أكثر موضوعية وبالاستناد إلى الوقائع.

وبالنظر إلى عديد الإخلالات الملحوظة تؤكّد الدراسة أنه من المهم دعم النماذج الصحفيّة الجيدة في موضوع الهجرة، بحيث تتسّم تلك التغطيات بالحذق والدقّة والإتقان مع توفّر البعدين الحسّي والإنسانيّ.

ومن البديهي أيضا العمل على تشجيع الصحفيين باقتراح إسناد جوائز للأعمال المتفوّقة سواء على المستوى الوطني أو المتوسطي.

ومن جانب آخر يعتبر الاستناد إلى القانون الدولي الإنساني وبالأخصّ حقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء أساسيا، لكنّ ذلك يجب أن يكون مرفوقا بوضع برامج تدريبية لفائدة المؤسسات الإعلامية والصحفيين، قصد تذكيرهم بما تقتضيه أخلاقيات المهنة الصحفية والتركيز على دقّة المصطلحات.

كما يجب في الوقت ذاته تطوير ظروف عمل الصحفيين، وذلك بتوفير المزيد من الموارد والمعدات الملائمة، وبالإمكان أيضا وضع مواثيق عمل يستأنسون بها في عملهم.

وحرّي بالباحثين في الميدان أن يساهموا بدورهم في تحسين جودة الأعمال الصحفية التي تتناول موضوع الهجرة، وهذا ما يجعل من تطوير مشاريع بحث جديدة حول هذه المسألة مفيدا للغاية، قصد تحديد التوجهات المستحدثة ومختلف ملامح هذه الظاهرة.

ويوصى كذلك بالنظر في إمكانية تطبيق بعض المبادرات في عدد من البلدان مثل” ميثاق روما” في إيطاليا، أو “الميثاق اليوناني”، وذلك في دول متوسطية أخرى. وبالتالي فإنه بالإمكان تثمين مجالات تبادل التجارب بين دول تكون فيها أزمة المهاجرين مطروحة بأكثر حدّة مثل لبنان والأردن، بالإضافة إلى عدد أخر من دول المتوسّط، وذلك من أجل تحسين جودة التناول الإعلامي لموضوع الهجرة.

وتبرز الدراسة من جهة أخرى أنه قد يكون من المفيد تطوير العديد من المنصات الاتصالية يتمّ من خلالها تمرير تغطية إعلامية للهجرة، وهذا من شأنه أن يضع حدّا لخطاب الكراهية الذي يبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفي الوقت ذاته يتيح ذلك حظوظا أوفر للمهاجرين للتعبير عن مواقفهم بشأن هذا الموضوع.

وتؤكّد هذه الدراسة أنّه بالإضافة إلى المؤسسات الإعلامية، يقوم صنّاع القرار السياسي ونشطاء المجتمع المدني بدور هام لكي يسود مناخ التسامح ولتركيز فضاءات حوار يكون فيها موضوع الهجرة مطروحا للنقاش العام.

ملاحطة: نشر هذا المقال بالموقع الفرنسي للمرصد العربي للصحافة و ترجمه حبيب بن سعيد.

حقوق الصورة @etude

 

 

وسوم:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share This