لماذا تهدد دعوات غلق قناة الجزيرة الصحافة في جميع أنحاء العالم العربي؟

18 يوليو، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @AlJazeera.com

حقوق الصورة @AlJazeera.com

من النادر جدا في تاريخ وسائل الإعلام أن لا يتم إزعاج شخص ما. فعلى مر السنين، ارتكبت بعض من وسائل الإعلام جملة من الخروقات، ربما في التلفيق السياسي أو التحيز، مثل “السي أن أن” و”فوكس نيوز” و”روسيا اليوم” وحتى هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” التي يتعبرها الكثيرون نموذجا في مهنية الإعلام العمومي.

لكن لا أحد من هذه المنابر الإعلامية تعرض سابقا لإساءة تضاهي تلك التي تتعرض لها قناة الجزيرة، وهي شبكة تلفزيونية مقرها قطر، والتي كانت طيلة 20 عاما شوكة في حلق الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، وتواجه اليوم ضغوطات غير مسبوقة لإغلاقها.

وقد شكلت الجزيرة صوتا وإيقاعا قويا ومربكا في منطقة تشهد نزاعات أهلية وطائفية دينية وسياسة استبدادية تقف حائلا أمام حرية التعبير والإصلاح الاجتماعي والديمقراطي الذي تحتاجه تلك الشعوب. وتعتبر قناة الجزيرة رائدة في التحدي الصحفي للحكومات التي فشلت في تحقيق الحريات الأساسية واحترام حقوق الإنسان، باستثناء النظام القطري طبعا الذي تعالج الجزيرة العلاقة معه بطريقة استثنائية نظرا لرعاية قطر وتمويلها للقناة.

وبحلول القرن الـ21 سطع نجم قناة الجزيرة وتوسعت شعبيتها بشكل كبير، فقد كانت تبث على مدار 24 ساعة ولديها 12 مكتب دولي وأكثر من 500 موظف. وكانت تلامس كل التابوهات والمواضيع الحساسة مثل العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والمثلية والسياسة والتطرف العنيف، مما أثار جدلا حول القناة ووصمها بأنها “تلفزيون إرهابي” (القناة المفضلة لمقاطع فيديو الدعاية لتنظيم القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر)، وقد اتهمت بدورها بمعاداة الغرب ومناصرة إسرائيل، وفي ذات الحين على أنها قناة تتبنى الإسلام السياسي بوضوح وأنها تمول من قبل  وكالة المخابرات المركزية سي أي آي.

ليس من المستغرب بعد هذه المسيرة أن نجد أعداء لقناة الجزيرة، خاصة بين صفوف المحافظين العرب. فقد حضيت الجزيرة بحضور في عدد من الدول كما طردت من دول أخرى وأصبح صحافيوها أهدافا سياسية للسلطات. والكل يعرف قضية الأعوان الثلاثة في مصر اللذين اعتقلوا بتهم وهمية وسجنوا سنة 2013. وتلوح في الأفق هذه الأيام أزمة تعتبر الأخطر بالنسبة للجزيرة، والمتمثلة في أن مجموعة من الدول من بينها مصر والسعودية تشترط غلق قناة الجزيرة لإعادة العلاقات مع قطر، وهو شرط ضمن 13 عشر نقطة أقرتها دول لها إشكالات مع قطر لإعادة العلاقات.

لشبكة الجزيرة وجهان إعلاميان رئيسيان، هما الجزيرة عربي والجزيرة إنجليزي. وعن الجزيرة عربي فقد كان لها نفوذ قوي في العالم العربي. إذ كانت قادرة على نقل أصوات الدول الضعيفة والتي لا وزن لها في الساحة الدولية. وقد سطع من خلال الجزيرة نجم قطر الدبلوماسي، فقد سلطت القناة الضوء على الجهود القطرية المبذولة لإحلال السلام بين المجتمعات العربية المتناحرة في السودان وفلسطين ولبنان.

بعيدا عن المشهد العربي، أصبحت شبكة الجزيرة لاعبا رئيسيا في الساحة الإعلامية الدولية التي تهيمن عليها اللغة الإنجليزية، فأطلقت الشبكة فرعها الانجليزي سنة 2006. وقد قامت القناة بانتداب كفاءات صحفية لامعة ومحترفة فأغرت وسائل الإعلام العالمية الأخرى، وتمكنت من ترسيخ صورة لامعة عن مهنيتها وحرفيتها وإنصافها بمرور السنين. لكن هذه السمعة التي حضيت بها الجزيرة الإنجليزية لم تحض بها الجزيرة الناطقة بالعربية، فقد أثارت تغطيتها المتعاطفة مع الجماعات الإسلامية المتشددة مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحماس في فلسطين حفيظة العديد من المراقبين، خاصة الصحفيين المستقلين في المنطقة، كما أضر ذلك بمصداقيتها وجعلها تتراجع في سلم التصنيف.

تغطي القناتان في غالب الأحيان القصة نفسها، لكن بزوايا مختلفة وقد تصل للتناقض أحيانا. وقد تم تسليط الضوء على هذه الاختلافات خاصة في الربيع العربي الذي كان مدعوما من قبل قناة الجزيرة. ولكن وبمرور سنوات على الربيع العربي اتضح أن القناة ترمي بكل ثقلها التحريري وراء الجماعات الإسلامية وقد تم رفض ذلك من قبل الناس في الشارع في مصر وتونس.

استغلت بعض الأنظمة العربية حالة الفوضى في المنطقة للقيام بنوع من الاستقطاب فيما بينها، وقد احتدم هذا الاستقطاب ليكون أحد أسباب الأزمة الأخيرة بين قطر وخصومها ومن بينهم المملكة العربية السعودية التي لها أيضا بعض العلاقات المشبوهة مع جماعات مسلحة، كما تمول بدورها وسائل إعلام تسعى لمنافسة الجزيرة مثل قناة العربية.

إن الاستهداف السياسي لقطر، بما في ذلك حضر السفر من وإلى الدوحة، يدفع البلاد إلى مزيد من العزلة ويزيد من مستوى التوتر في المنطقة، ويفتح الباب في المقبل أمام المزيد من القيود على الصحافة في منطقة لتملكها التباس بين عدم اليقين القانوني والسياسي. وفي هذا الإطار تساند شبكة الصحافة الأخلاقية الصحفيين في المنطقة بالشراكة مع صحفيين من فلسطين والأردن وتونس ومصر ولبنان، وقد أبرمت الشبكة مؤخرا اتفاقا مع مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان لتعزيز الاستقلالية والمهنية وضرورة رفع كل القيود التي تهدد الصحافة سواء داخليا أو خارجيا.

إن قمع قناة الجزيرة والتضييق عليها لا يمثل حلا جديا للنزاعات الساسية الإقليمية، فالجزيرة تقوم بتغطية واسعة للأحداث في العالم العربي وخارج العالم العربي بالرغم من الانتقادات التي توجه للكيفية التي تغطي بها القناة الأخبار. فالحملة الإقليمية على الجزيرة تطال بشكل رئيسي حرية الصحافة بشكل عام وقد ظهر ذلك جليا على لسان عمر خباش الذي صرح لصحيفة الغارديان قائلا “نحن لا ندعي أن لنا حرية صحافة، ونحن لا نعزز هذه الفكرة، إن ما نتحدث عنه هو المسؤولية في الكلام”.

يدفع هذا التصريح إلى دق ناقوس الخطر بالنسبة للصحفيين والمحررين في كل مكان، إذ لا ينبغي الاستخفاف بما يحدث من تكميم للأفواه والاعتداء على حرية الإعلام والصحافة. وفي السياق، يدفع “ديفيد كاي” المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير إلى إصدار بيان للدفاع عن قناة الجزيرة قائلا “إن طلب غلق قناة الجزيرة يمثل تهديدا خطيرا لحرية الإعلام إذا اتخذت بعض الدول تدابير لإجبار قطر على غلق قناة الجزيرة بحجة الأزمة الدبلوماسية”.

ورد هذا المقال في نسخته الأصلية بموقع Ethical Journalism Network و ترجم من قبل سيف الدين العامري

وسوم:

Share This