لبنان: تراجع لحريّة التعبير وتصاعد للرقابة والتضييق

26 فبراير، 2018 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @nonpost

يعيش لبنان على وقع تصاعد الرقابة وتضييق لحرية التعبير والرأي وصلت حدّ إصدار أحكام بالسجن ومحاكمات عسكرية للصحفيين، رقابة جعلت بعض المنظّمات الدولية المهتمّة بهذا الشأن تصدر بيانات تندّد فيها بالممارسات التي تنتهجها السلطات اللبنانيّة في حق الصحفييّن والإعلامييّن.

فقد شملت الملاحقات القانونية في الفترة الأخيرة فقط، عددا من الصحفيين والإعلاميين وحتى الناشطين بتهم متعلقة بحرية التعبير. وكان آخر هذه الملاحقات توجيه النيابة العامّة اللبنانيّة تهمة التشهير لمقدّم برنامج “لهون وبس” الكوميدي هشام حداد، وذلك بعد بثّ حلقة في أوّل شهر جانفي (يناير) أطلق خلالها نكتا، تهكّم فيها من رئيس الوزراء سعد الحريري وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

عقب هذه الحلقة، تحرّك المدّعي العام اللبناني على خلفية مقطعان وقع بثّهما في هذه الحلقة: بالمقطع الأول، يسخر حداد من نصيحة “المنجّم” ميشال حايك لوليّ العهد السعودي محمد بن سلمان بـ”عدم تناول الوجبات السريعة” وبالمقطع الثاني، يمازح حداد رئيس الوزراء سعد الحريري الذي يظهر فيه أثناء احتفالات رأس السنة التي رعاها في وسط بيروت.

وحسب القانون اللبناني واستناداً إلى المادّة 23 من المرسوم الاشتراعي 104/77، فإنّه يحقّ للمدعي العام التحرك بصفة تلقائية ودون شكوى المتضرّر “إذا تعرّضت إحدى المطبوعات لشخص رئيس الدولة بما يعتبر مسّاً بكرامته، أو نشرت ما يتضمّن ذماً أو قدحاً أو تحقيراً بحقّه أو بحق رئيس دولة أجنبية”.

كما تمّ توجيه تهمة عرقلة سير العدالة للمقدّم مارسيل غانم، بعد أن احتج على التهم الموجهة ضد اثنين من ضيوفه في إحدى حلقات برنامجه والتي وجهّا فيها الانتقاد للرئيس ميشال عون. ولم تكتفي السلطات اللبنانية بتوجيه التهم بل التجأت في بعض الأحيان إلى إحالة الصحفيين على المحاكم العسكرية، كما هو الحال مع الصحفية حنين غدار التي تعرضت إلى محاكمة عسكرية وحوكمت غيابياً بالسجن ستة أشهر، بتهمة التشهير بالجيش اللبناني، عقب انتقادات لأدائه خلال مداخلة لها في مؤتمر انعقد بواشنطن في الولايات المتحدة عام 2014.

حتى نشطاء المواقع الاجتماعية نالهم نصيب من هذه التضييقات، إذ وقع استدعاء الناشط عبادة يوسف، من قبل جهاز استخبارات الجيش، لاستجوابه بشأن منشورات له في الفيسبوك متعلقة بعدد من كبار السياسيين اللبنانيين والاستدعاء من قبل مخابرات الجيش اللبناني يعدّ خرقا لقانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني هي ليست ضابطة عدلية وليس من صلاحيتها استدعاء نشطاء استنادا لمنشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وحتى مع عدم وجود قانون يرعى مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، فإنّ القضايا المتعلقة به تحال على قوانين التشهير أو القدح والذّم ولا تدخل في إطار الجرائم الجزائية بل هي من أنظار القضاء المدني.

 

كما تمّ اعتقال الشاعر مصطفى سبيتي، بتهمة “الإساءة” إلى مريم العذراء على الفيسبوك وذلك عقب تدوينة كتبها ثمّ حذفها فوراً عن صفحته الفايسبوكية، وقال إنّه كتبها في “لحظة سكر” وبسبب مروره بظروف شخصية صعبة. ورغم أنّه أرفقها باعتذار علني إلى كل أصدقائه، نافياً أن تكون نيته “التعرّض للمقدسات والسيدة العذراء” وبعد إيقاف لمدة 15 يوما بتهمة “إثارة النعرات الطائفية”، و”الإساءة إلى الشعائر الدينية”، وفق المادتين 317 و474 من قانون العقوبات أطلق سراحه بكفالة مالية.

تحرك النيابة العامة اللبنانية لم يشمل فقط الصحفيين والإعلاميين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي ، حيث وجهت النيابة العامة التمييزية في لبنان لصحيفة “الديار” اللبنانية تهمة الإساءة إلى ملك المملكة العربية السعودية الملك سلمان بن عبد العزيز عقب مقال نشرته الجريدة ردّا على تصريح الوزير السعودي ثامر السبهان الذي اعتبر أن “المقاومة اللبنانية هي مقاومة إرهابية والشعب اللبناني الذي يسكت هو شعب خائن” وكان ردّ جريدة “الديار” بقلم رئيس تحريرها شارل ايوب في مقال رأي حول دور السعودية في الحرب على اليمن. لكن هذا المقال كان سببا في توجيه ادّعاء النيابة العامة التمييزية اللبنانية على “الديار” ورئيس تحريرها، وتطلب السجن له سنة على الأقل مع غرامة تحددها هيئة المحكمة.

ورغم أن الدستور اللبناني يضمن حرية التعبير “ضمن دائرة القانون” إلا أنّ عدد الإيقافات والأحكام السجنية المتعلّقة بحرية التعبير في ارتفاع وذلك استنادا إلى قانون العقوبات الذي يجرّم القدح والذم ضدّ الموظفين العموميين، ويجيز السجن حتى سنة في مثل هذه الحالات، إذ تسمح المادة 384 من قانون العقوبات بالسجن بين 6 أشهر وسنتين لـ “تحقير” الرئيس أو العلم أو الشعار الوطني. وتجرّم المادة 157 من “قانون القضاء العسكري” إهانة العلم أو الجيش، وتنّصّ على السجن بين 3 أشهر و3 سنوات.

ونظرا لأنّ القانون اللبناني لا يعرّف جيدا مصطلحات “القدح” و”الذم” و”التحقير”، ترتفع أعداد القضايا التي يحال بموجبها الصحفيين والإعلاميين على أنظار القضاء. وهو ما دفع “مركز القلم في لبنان” إلى إصدار بيان عقب ما اعتبره قمعا متواصلا لحريات التعبير والرأي والموقف والإبداع الفني والأدبي .

واعتبر المركز أنّ السلطة لا تحرّك ساكناً إزاء موجة القمع التي تتعرض لها حرية التعبير، “بل هي تسوِّغ باسم الوطنيّة حيناً وباسم الأخلاق حيناً آخر، رقابتها على الناشطين والمبدعين في جميع الميادين وتُخضعهم إلى امتحان لا يزال يتكرر يومياً، الهدف منه المزيد من تضييق مساحة الحرية ومحاربة الفكر النقدي والمستقل في جميع اشكاله وممارسته”

وحسب تقرير “هيومن رايتس ووتش” لسنة 2018 و المتعلّق بحرية التعبير وحقوق الإنسان فإنّ القيود على حرية التعبير اشتدت العام الماضي في لبنان في ظل مماطلة في الإصلاحات الحقوقية، ورغم بعض التقدم في التشريعات حول التعذيب وحقوق المرأة، لاحقت السلطات اللبنانية أشخاصا على خلفية التعبير السلمي.

وفي بيان أصدرته “هيومن رايتس” قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظّمة: “رغم بعض الإصلاحات التي طال انتظارها، نشعر بقلق عميق حيال ما يبدو أنه مساحة متناقصة لحرية التعبير في لبنان. لدى السلطات الفرصة لتحسن ظروف البلاد في 2018 عبر إقرار إصلاحات طال انتظارها”.

التباس الخطوط الفاصلة بين الفعل التعبيري وحريته والفعل الإجرامي ووجوب عقابه جعل من المكسب الذي كانت تعتز به لبنان لسنوات عدّة محل تراجع.

وسوم:

Share This