كوابح التغيير الكامنة في بنية المنظومة الإعلامية والاتصالية الراهنية

17 نوفمبر، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

لم تعكس كثرة وسائل الإعلام وتنوع طبيعتها في العالم العربي التغيير الثقافي المرجو لدى المتقبلين، بل ساهمت الفضائيات العربية في حمل نزعة تفكيكية للمشاهدين، غارقة في اللامعنى وعاجزة عن البناء وغير قادرة على الإسهام في أي فعل تغييري، الأمر الذي يدفع إلى القول أن طبيعة الاستثمار في الإعلام في العالم العربي قد رُكّبت على عجل وأنه استثمار لا يدرّ أي ربح سواء كان اقتصاديا أو رمزيا.

ويتطلب تقييم هذا الواقع واقتراح مخارج محتملة لأزمته، إقرارا بتعقيد الأزمة، وابتعادا عن تبني المقولات الحتمية في أن إشكال الإعلام العربي مختزل في المسألة التقنية أو الاجتماعية، بل إن الأمر متعلق أيضا بعلاقات القوة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، داخليا ودوليا.

و بعد التسليم بتعقيد المنظومة الإعلامية ككل نظرا لتداخلها مع المنظومتين السياسية والاقتصادية والطوارئ التقنية مثل ظهور العالم السيبيري، وجب عدم الفصل بين قيمتي الحرية والمساواة فالجميع في أيديولوجيا الاتصال أحرار ومتساوون في هذه الحرية. وهو ما يعفي عالم الاتصال من أي سلطة عليا تتحكم فيه خاصة مع ظهور تقنيات الاتصال الحديثة. وهذا ما يفرض بدوره الأخذ بعين الاعتبار عدم الخلط بين الإعلام والاتصال، بين الإعلام والمعرفة، بين الضجة والكلام، بين التقنية والثقافة، و بين حرية الإعلام وحرية التعبير.

هذه المنطلقات تضع عملية التفكير في إشكالات الإعلام العربي أمام تساؤلات يمكن اختزالها في مشكل مكابح التغيير الكامنة في البنية الإعلامية التقليدية من جهة ومكابح التغيير الكامنة في البنية الإعلامية الراهنة، لنتمكن في الأخير من كشف انعكاسات تجاوز المنظومة الاتصالية للمنظومة الإعلامية التقليدية.

 مكابح التغيير في البنية الإعلامية التقليدية

إن أكثر المعوقات التي تقف أمام تطور الإعلام هو تبعية الأجهزة والوسائل الإعلامية للسلطتين السياسية والاقتصادية. فالسلطة السياسية تسعى بشكل دائم إلى وضع القوانين التي تحد من حرية الإعلام والصحافة. ثم إن الجانب الاقتصادي المتعلق بالإعلام يعد أحد العوائق أيضا فهو الذي يفرض توقيت العمل وطبيعة المصادر ومستوى التكوين وغيرها.

من ناحية أخرى فإن إحدى المغالطات المعرفية المتمثلة في التفاضلية بين المصادر تعد مكبّلا أمام الصحفي كي يبحث عن المصدر المتلائم مع طبيعة خبره سعيا لأن يكون خبره أكثر مصداقية. فالتبعية الشديدة للمصادر العليا القريبة من السلطة يمكن أن توقع الصحفي في تمرير أجندة السياسي الذي يحدد ويؤطّر وضعية المسائل المطروحة ويشرعنها. وتبعا لذلك يجعل الصحفي المصادر الثانوية من نصيب المعارضين والمحتجين الذين يكتفون برد الفعل، كما يسهم ضغط الوقت في تفضيل التعامل الدائم مع نفس المصادر.

أصبح العمل الصحفي شيئا فشيئا مشابها لعمل السياسي. فقد أصبح عمل الميديا حسب “آن ماري جينغراس” يتميز بخمسة أساليب مشتركة لدى الإعلامي كما لدى السياسي وهي: الشخصنة والمسرحة والتجزئة والتسوية والاتصال. ثم إن هذا التشابه ليس منفصلا عن عملية أخرى يقوم بها السياسيون بشكل دائم وهي الإعتماد المتزايد للسياسيين على أساليب الترويج السياسي وسعيهم المتواصل للتحكم في الصحفيين من خلال تزويدهم بمعلومات جزئية وتقطيرها عليهم وفق إستراتيجية مصالحهم.

في مستوى آخر، تقوم وسائل الإعلام العربية بمحاكاة الثقافة الاجتماعية السائدة. فمثلا بعد دراسات ميدانية متتالية تم الوصول إلى أن محطات تلفزية لبنانية تعيد في نشرات أخبارها إنتاج الأدوار النمطية المنسوبة لكل من الجنسين. فبقي للرجل النصيب الأكبر من الإعداد والإخراج والتقديم وحضوره مازال متقدما على المرأة وهو بذلك إعلام يساهم في تأبيد التنميط الجندري.
ليس الإعلام والاتصال بذلك العالم المستقل عن عالم الأيديولوجيا والهيمنة. فقد تم إقران الثقافة بالاتصال بالهيمنة الرأسمالية الاقتصادية، وهذا أحد أهم المعوقات التي تشل حركة الإعلام العربي. فالثقافة المصنّعة أضعفت الفكر النقدي حسب مدرسة فرانكفورت. كما يرى أنطونيو غرامشي أن الهيمنة تتمثل في المقدرة التي لدى مجموعة معينة على ممارسة قيادة فكرية وأخلاقية للمجتمع،. أما ألتوسير، فأكد أن الدولة هدفها الحفاظ على “الستاتيكو”statut quo القائم والمتمثل في هيمنة طبقة على طبقة أخرى.

مكابح التغيير الكامنة في البنية الاتصالية الحالية

أصبح عالم الاتصال مجالا لاختزال العالم. وهو مصدر للخطاب السيبيري الذي أحاط بالواقع من كل الجهات، الأمر منح الخطاب السيبيري القدرة على تعويض الخطاب السياسي واقتراح حلول وأجوبة للمشاكل الاجتماعية وفي ذات الحين مكنت السيبيرية الحكومات من استخدام علم الاتصال للتحكم في الإعلام. وقد مكّنت أسطورة مجتمع الاتصال وسلسلة الوعود التي حملتها من اختزال الزمان والمكان وإنشاء علاقات جديدة بين الشبكات الإلكترونية للاتصال والواقع، بحيث غدا مجتمع الاتصال هو أيضا مجتمع السرعة والآنية وتقلص المكان. وقد أشار “بول فيليريو” إلى إلى أن مع صعود أنظمة الاتصالات المتحركة فإن الاتصال نفسه أصبح متنقلا.

ثم إن عالم الاتصال مكّن السياسيين من التخلص من هاجس الصراع داخل المجتمع، وحل محله التفاوض والحوار دون إكراه أو ضغط، وذلك من أسس فكرة الاتصال ومن مكونات أيديولوجيته، فانتهى عصر الصراع بالقوة ولم يعد بذلك للسياسي مشروعية الوجود بنفس القوة (تهميش السياسي) وتعميم مقولة “دعه يعمل دعه يتصل” كما ساهم الاتصال أيضا في فضح المجموعات التي تلجأ للصراع فانصاعت لخيار كبته.

لقد ساهم الاتصال الحديث عبر الإنترنت في إخراج الاتصال من دائرة السيطرة الرسمية إلى دائرة السيطرة عبر الشركات وغدت التطبيقات تصب بشكل أو بآخر في خدمتها. وبهذه الكيفية أصبح الاتصال سوقا قائما على ما يسمّى “اقتصاد الانتباه”، حتى أصبحت قدراتنا على التركيز ضعيفة نتيجة استنزافها إلى درجة أن “إيف سيتون” حذر من ذلك قائلا “إننا في طور الانزلاق نحو عصور ظلامية جديدة”.

 انعكاسات تجاوز المنظومة الاتصالية للمنظومة الإعلامية التقليدية

من أبرز تجليات تجاوز المنظومة الاتصالية للبنية الإعلامية التقليدية بروز مجموعة من المتغيراتوالمتمثلة أساسا في تغيّر شروط المنافسة السياسية والتي تتمظهر في تلاشي الحدود بين الشخصي والعام أو الحياة الخاصة ونشر تلك الحياة للجمهور بعد أن أصبح السياسي لا يمانع في دخول الصحفي مصحوبا بالكاميرا إلى منزله. ومن خلال هذا أصبح النقاش في كل الموضوعات أمرا عاديا بشكل أفضى إلى اتساع الفضاء العام ليشمل الاتصال السياسي وتتلاشى الحدود بين المحادثة الخاصة والإعلام العمومي، حتى أن الفضاء العمومي الذي نعرفه لم يعد موجودا وحلت محله استخدامات الإنترنت.

وشيئا فشيئا أصبحت العلاقة أكثر متانة بين التقنيات الإعلامية والاتصالية ذات الأداء العالي وبين الوعود بانجازات سياسية من أجل عالم أفضل. فالأيديولوجيا التقنية أصبح لها دور سياسي ووجب استثمارها بقطع النظر عن منطقها. وهذا ما فتح الباب أمام مصطلح “التفاعلية” كي يصبح مصطلحا مركزيا تنتظم حوله ممارسات خطابية ديمقراطية جديدة لكن هذه التفاعلية قد تلغي الديمقراطية كممارسة تقوم على الاختلاف لأن التفاعلية تتطلب تخليا عن المميزات الذاتية التي تسمى “الداخلية” وتنتصر لفعل الاتصال نفسه دون التساؤل عن السبب من الفعل الاتصالي.

إن اكتساح الاتصال السيبيري أدّى بشكل أو بآخر إلى تباعد ممنهج بين القيم والممارسة، بين الكلام والأفعال، بين المثل والواقع وبين الافتراضي والواقعي. ويتسبّب هذا التباعد في إعاقة الإبداع كفعل تحرري ويسبّب العنف في الفعل والشلل في الفكر، ما يشجع المواطن على الانسحاب من الحياة السياسية. فالاتصال الافتراضي يمكّن الباث من التواصل مع أشخاص بعيدين دون حضور مباشر فتخلق التكنولوجيا بذلك الانسحاب الاجتماعي لصالح الكلام الافتراضي.

لقد أشاعت المنظومة الاتصالية الجديدة الكثير من الآمال بمستقبل ديمقراطي أفضل للشعوب وللأفراد معززة بعناوين الاستقلالية والتشاركية والشفافية والتفاعلية والحرية وغيرها. إلا أن هذه المنظومة لم تتمكن من إيجاد البدائل دائمة الاستمرار وهي منظومات عاجزة فعلا عن الإحلال محل الجوهر السياسي.

ملاحظة: تلخيص سيف الدين العامري

وسوم:

Share This