حرية التعبير في الأردن: الملك ليس محلّ للنّقد

19 فبراير، 2018 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

صحفيون يتعاطون الرقابة الذاتية، تعطيل صفحات إلكترونية وجيل جديد من الصحفيين الممارسين للمهنة دون موانع ومسلحين بفكر نقدي.

“الأردن هي جنّة على صعيد العالم العربي”، لكنّ هذا التوصيف لرندة حبيب، الصحفية اللبنانية الفرنسية، والقريبة من البلاط الأردني، يلخّص الوضع الحالي لحرية الصحافة في الأردن. واعتبارا لموقعه الذي يتوسّط كلاّ من سوريا والعراق ولبنان والمملكة العربية السعودية وإسرائيل، فإنّ هذا البلد يعدّ قطبا، وعامل استقرار في المنطقة. إلاّ أن النزاعات في دول الجوار والعدد المتعاظم للاجئين والنقّص الملحوظ في الموارد المائية المتوفرة، كل ذلك يجعله يعيش ضغطا متزايدا… وفي مجال حرية الصحافة، تحتل المملكة الهاشمية الصغيرة الحجم المرتبة 138 من جملة 180 دولة حسب ترتيب المنظمة غير الحكومية ” مراسلون بلا حدود” وهو ما يعكس تراجعا بثلاث نقاط مقارنة بسنة 2015.

إخضاع تكوين الصحفيين إلى مقاييس ” مَلكية “

كانت المهنة الصحفية إلى وقت قريب محلّ تقدير فائق في الأردن وفق ذكريات الأميرة ريم علي، مضيفة أن من يقبلون حاليا على ممارسة المهنة هم الذين لم تتوفر لهم فرصة إيجاد مواطن شغل بديلة. ولتنمية قدرات الصحفيين أسسّت هذه الأميرة سنة 2006 “المعهد الأردني لوسائل الإعلام”، وكانت ريم علي المتزوجة من الأمير علي شقيق الملك عبد الله الثاني تشتغل بدورها في هيئة الإذاعة البريطانية بلندن (البي بي سي)، ثم بوصفها مراسلة لقناة (سي أن أن) الأمريكية خلال الحرب في العراق … ويوفّر المعهد تكوينا عصريا وتفاضليا… وبالرغم من ذلك يفضّل العديد من خريجي المعهد التحوّل  للعمل في دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية حيث توجد قنوات بثّ دولية أو الدول الغربية التي تتوفر فيها أجور أفضل وهامش حرية أوسع.

وتبرز منظمة مراسلون بلا حدود أنه ليس بإمكان الصحفيين المجازفة بالخوض في عديد المواضيع الممنوعة. إذ أن قانون الصحافة يحجّر نقد العائلة المالكة والقيم الإسلامية المحافظة. كما يسمح بتسليط خطايا مالية بمبالغ مرتفعة على القائمين بتحقيقات استقصائية في ملفات فساد.

وتتعرّض الصحفية جمانة غنيمات إلى مثل هذه التضييقات  يوميا خلال قيامها بعملها، موضحة أنه يعسر عليها ممارسة مهنتها في بلد ينتمي إلى العالم الثالث. وبوصفها رئيسة تحرير صحيفة “الغد” الواسعة الانتشار، يتوجّب عليها اتخاذ القرار في ما يكتب وما ينشر على أعمدة هذه الصحيفة.

وتشرح جمانة وضعها المهني قائلة:  ” إنني أحتلّ موقعا مناسبا للقيام  بعملي الصحفي ” وبينت أنه توجد بالطبع حدود تعترضها، لكنها تجد دوما الطريقة التي تعبّر بها عما يختلج في نفسها. وبالرغم من ذلك توجد مواضيع يكون من الصعب جدا التطرق إليها. ومن بين هذه المواضيع بعض المسائل التي لا يسمح بالخوض فيها بدعوى المساس بأمن الدولة. لكنها تعتبر أن مثل هذه الحجة عادة ما توظف كتعلّة لمراقبة وسائل الإعلام. وعلى عكس ذلك لا يعّد نقد البرلمان أو المنظمات غير الحكومية من المواضيع التي تثير إشكالا يذكر، وأقرت جمانة بأن بعض القضايا الاجتماعية تبدو معالجتها أحيانا أشدّ عسرا عليها من تلك التي لها بعد سياسي، مثال ذلك ما ذهبت إليه من أنه يستحيل عليها تحرير مقال حول ارتداء الحجاب. كما يعتبر نقد الملك والدين والشركاء الاقتصاديين الهامين مثل المملكة العربية السعودية من قبيل المجازفة، غير أن منظمة مراسلون بلا حدود لا تتّفق مع توجه الصحفيين الأردنيين نحو اعتماد الرقابة الذاتية في ممارسة مهنتهم.

ما بعد “الربيع العربي” شتاء حرية الصحافة

لقد نصّ الدستور الأردني في أحد بنوده على حرية التعبير، وبالرغم من هذا التنصيص يمكن إيقاف الصحفيين وإخضاعهم للمساءلة من قبل محكمة عسكرية. ومنذ 2010 تاريخ الرجّة التي أحدثها ” الربيع العربي ” المزعوم وما تخلّله من اهتزازات واضطرابات نتائجها ما زالت ماثلة إلى يومنا هذا في العالم العربي، تقلّصت هوامش ممارسة العمل الصحفي.

وتتذكّر رندة حبيب أنّ وسائل الإعلام كانت الضحية الأولى لهذا الوضع. إذ تمّ سنّ العديد من القوانين التي أخضعت وسائل الإعلام لرقابة أكثر صرامة. ففي شهر أوت تمّت المصادقة على قانون الجرائم الإلكترونية وكان من المفترض أن يكافح هذا القانون الجرائم المرتكبة صلب المواقع الإلكترونية. لكن في حقيقة الأمر أستعمل هذا القانون لحجب مواقع إخبارية بعينها. ومنذ سبتمبر 2012 سنّ قانون جديد يمنع إنشاء أيّ موقع إخباري دون طلب رخصة رسمية من قبل “اللجنة الأردنية لوسائل الإعلام “، وتبعا لذلك جرى حجب مئات الصفحات التي لم تحصل على ترخيص. ويتعيّن انخراط رؤساء التحرير صلب هذه اللجنة لمدة لا تقل عن أربع سنوات.

كما تنتقد منظمة مراسلون بلا حدود الضبابية التي يتّسم بها قانون مكافحة الإرهاب، فهو عادة ما يعتمد لاعتقال الصحفيين الذين لا يحظون برضا السلط العمومية… ومنذ تصويت البرلمان على هذا القانون سنة 2014، ما فتأت الحكومة تتخّذ قرارات لمحاصرة الصحفيين ومنعهم من التصريح بمواقفهم، وهذا المنع ينطبق على الحالات المتعلّقة بالحرب في اليمن وسوريا، وفيما يخصّ الأعمال الإرهابية. ويضاف إلى ذلك مقتل الكاتب ناهد حتّار، الذّي نشر على صفحته في شبكة الفيسبوك نقدا للمنظّمة الإرهابية ” داعش “، وقام بعض مستخدمي شبكة الانترنيت بتأويل هذا الرسم الكاريكاتوري معتبرين إياه إساءة لمشاعرهم الدينية ووجهوا له رسائل كراهية وتهديد، فوضع ناهد حتّار رهن الإيقاف التحفظي، ثم جرت تصفيته جسديا من قبل متطرّف يوم مثوله أمام القضاء بإطلاق وابل من الرصاص عليه وهو على مدارج قصر العدالة. وهكذا تم تكميم الأفواه ولجم الصحافة بدعوى الحفاظ على “الأمن القومي”.

ونشرت اللجنة الأردنية لوسائل الإعلام في جويلية 2017 قانونا جديدا ينصّ على توفّر شرط الترخيص بإحداث صفحات إلكترونية لمجمّع لا يقل عن خمسة أفراد، وقد صرّح رئيس اللجنة محمد قتيشات لصحيفة “جوردن تايمز” بأنّه من المفترض أن يدعم هذا القانون الملكية الفكرية للصحفيين. وقبل ذلك يدين بعض الصحفيين الأردنيين سحب هذا القانون على المواقع الجديدة وحدها، فيما تواصل الصفحات الموجودة أصلا عملها ولا تخضع إلى القواعد المستجدّة.

“حبر”: مواجهة الرقابة بالجودة

لينا عجيلات من بين الصحفيين المتضررين من قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية. فقد أسست مدونة “حبر”   ( 7iber) التي برزت تدريجيا بوصفها منصة إعلامية هامة واسعة الصدى. ففي الأردن، يتعين على الصحفيين الانخراط صلب  النقابة الأردنية للصحافة من أجل الحصول على إجازة تمكنّهم من العمل في كنف القانون، بينما لا يتمتّع العاملون صلب المواقع الإلكترونية  بهذه الإجازة مثلما جاء على لسان لينا عجيلات، علما بأنه تم حجب مدونتها في أربع مناسبات، مما أضطرّها إلى تغيير مجال نشاطها مظهرة عدم رضاها من خلال قيامها بحركة  تعبيرية جسدية، وذلك بتعديل عنوان الموقع من “dot.com” إلى “dot.org” إلى “dot.net” إلى ” dot.me  ” ولما واصل “حبر” العمل مدّة تعطيله، فرضت الحكومة على المنتجين خطية مالية بألف دينار أردني أي ما يعادل 1200 أورو. فالمحررون العاملون في “حبر” يتصّفون بالجرأة الصحفية، فلا يخيفهم الخوض في المسائل الحساسة، مثال ذلك نشر الموقع لملف إعلامي متعدّد الوسائط حول اللاجئين الصوماليين القابعين في مراكز إيواء لا تتوفّر فيها الظروف الإنسانية. وجدير بالذكر أن وسائل الإعلام الأخرى لم تتطرّق البتة إلى هذا الحدث، وتقول لينا إن هذا الملف وضع مصداقية الحكومة على المحكّ وموضع شكّ، وقد أحرز هذا التحقيق جائزة أفضل حملة إعلامية متعددة الوسائط.

وقد عبرت لينا عجيلات عن اعتقادها بأنه من غير المجدي حجب الصفحات الإلكترونية، إذ بالإمكان التواصل مع قرائها باستمرار من خلال شبكة الفيسبوك. وينتمي الطاقم الصحفي لمدونة ” حبر” إلى جيل جديد من الصحفيين الشبان الذين يستعملون شبكة الانترنيت للتواصل مع جمهورهم في المستوى الدولي، وهم بالتالي لا يمكن إلزامهم بالتحرك ضمن حدود وطنهم، وبفضل إستراتيجيتهم القائمة على نشر مقالات رأي بعيدا عن التيار السائد، كسب موقع “حبر” عددا متزايدا من المتابعين يتراوح بين 250 ألف و 700 ألف قارئ في الأسبوع و300 ألف متابع على شبكة فيسبوك.

ولاحظت مؤسّسة المدونة أن غالبا ما يتصّل بها صحفيون شبان يريدون الالتحاق بالفريق الذي تشرف عليه، موضّحة أنه من المهم أن يؤمن هؤلاء بالحريات الفردية وبالحقوق المدنية. وبالرغم من التضييقات التي تتعرّض إليها يوميا وتضطرّها إلى مراجعة إستراتيجية عملها باستمرار، تواصل لينا وفريقها التحريري القيام بمهمتهم بكلّ إصرار ودون خشية  من مخاطر قد تحفّ بمجال عملهم. وحسب لينا، شمل نقد المدونة العاهل الأردني مبيّنة أنها لم تخضع إلى المساءلة القضائية، كل ما في الأمر أنه جرى تعطيل وقرصنة موقعها.

وقد يكون العامل المحدّد لديمومة نشاط المدونة هو اعتمادها على مقالات تستند إلى تحقيقات معمقة يصعب دحضها. وتؤكد لينا عجيلات أنها تصمد وفريقها التحريري من خلال ممارسة صحافة متينة

ونستنتج من ذلك أنه يوجد في الأردن صحفيون يصمدون في وجه الرقابة باعتماد صحافة قوامها الجودة.

ملاحظة: هذا المقال نشر بالنسخة الألمانية للمرصد الأوروبي للصحافة وترجم من قبل حبيب بن سعيد. كما نشر بالنسخة الفرنسية للمرصد العربي للصحافة.

 

وسوم:

Share This