الجزائر: الإعلام في مواجهة السلطة نصرة لحريته

25 مارس، 2019 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @العرب

رافقت احتجاجات الصحفيين الجزائريين التحركات الشعبية التي انطلقت منذ شهر شباط/فيفري الماضي والرافضة لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة. وقد أوقفت السلطات الجزائرية أكثر من عشرة صحفيين عقب اعتصام للصحفيين من وسائل إعلام مكتوبة وسمعية بصرية من القطاعين العام والخاص في ساحة “حرية الصحافة”، وسط العاصمة الجزائر احتجاجًا على ممارسة السلطات للرقابة على الإعلام فيما يتعلق بالتحركات الشعبية.

و يواجه الإعلام الجزائري الرسمي والخاص تحديا في التعاطي مع حراك شعبي وظّف الإعلام البديل ومواقع التواصل الاجتماعي لإيصال رسالته أمام سياسة الرقابة التي تعتمدها المؤسسات الإعلامية العمومية في كلّ ما له صلة بالاحتجاجات المناهضة للعهدة الخامسة، تعتيم واجهه المحتجون بلافتات وشعارات على غرار ” أين الصحافة ؟”

لم تكن المؤسسات الإعلامية العمومية الوحيدة التي تجاهلت تغطية الاحتجاجات والمسيرات المنددة بالعهدة الخامسة فحتى القنوات الخاصة التي يملكها رجال أعمال مقربون من السلطة هي الأخرى غضّت النظر عن هذه المسيرات والتحركات الاحتجاجية التي شارك فيها آلاف الجزائريين في مختلف مناطق البلاد منذ انطلاقها.

وكنتيجة لسياسة التعتيم التي انتهجها الاعلام الجزائري لم يجد الصحفيون الجزائريون من وسيلة للتعبير بها عن رفضهم لهذا التعامل الإعلامي والتغطية المضللة وغير المهنية للاحتجاجات والمظاهرات الرافضة لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة سوى تنظيم وقفات احتجاجية وإصدار بيانات مندّدة بالتعتيم الإعلامي.

فاحتجاجات الصحفيين في ساحة “حرية الصحافة ” لم تكن هي الأولى بل سبقها حركة احتجاجية مماثلة قام بها صحفيو الإذاعة الجزائرية أمام مقر الإذاعة الوطنية، عقب يوم واحد فقط من احتجاج مماثل نظمه صحفيو التلفزة العمومية الجزائرية والذين كانت مطالبهم الكفّ عن سياسة “تكميم الأفواه”، التي يمارسها المسؤولون والسلطة بتحويل الاعلام العمومي إلى اعلام دعاية للنظام، معتبرين انّ للجزائريين كامل الحق في الحصول إلى المعلومة الصحيحة والتغطية الوطنية للأحداث دون تضليل أو تشويه للحقائق.

ووجه صحافيون من الإذاعة الجزائرية رسالة مفتوحة إلى المدير العام نددوا من خلالها بعدم “وجود الحيادية في تغطية الأخبار” موضحين “أنهم صحافيون يعملون لصالح القطاع العام وليس لصالح الدولة” ومعتبرين انّ “الإذاعة ملك لكل الجزائريين، ووسيلة إعلامية وطنية، ولكل مواطن الحق في النفاذ إليها ونحن مطالبون بإمدادهم بالمعلومة الحقيقية، ونحن نؤدي خدمة عمومية وليس خدمة الدولة”.

ودعا البيان مدير الإذاعة إلى “الأخذ بعين الاعتبار هذا الموقف الجماعي، في ظرف حسّاس تمر به الجزائر، وتمر به غرف الأخبار في المؤسسة العمومية، لافتاً إلى ضرورة التمسك بالهدف الوحيد من وجود القنوات الرسمية وهو إعلام المواطن بكل موضوعية”.

ومع تواصل سياسة السلطة لتغطية إعلامية غير محايدة قدّم عدد من الصحفيين استقالاتهم في خطوة تصعيدية احتجاجا على تردّي حرية التعبير في الجزائر، أولى هذه الاستقالات كانت بإعلان رئيسة تحرير القناة الإذاعية العمومية الثالثة مريم عبدو تقديم استقالتها من منصبها.

وفي رسالة نشرتها على موقعها على فيسبوك، كتبت مريم عبدو: “عندما نزعم أننا صحافيون أو رؤساء تحرير، أدنى مبدأ هو أن ننشر الأخبار لحظة وقوعها بكل احترافية وحيادية. وحتى إذا كنا لا نملك الإمكانيات الضرورية لذلك، علينا أن نحاول بقدر الإمكان أن نغطيها ولا يمكن أن نتجاهل حدثا كبيرا مثل تظاهرات 22 فيفري/شباط. لهذه الأسباب، قررت الاستقالة من منصبي كرئيسة التحرير وتكريس وقتي للبرنامج الذي أقدمه والذي يدعى “مسيرة التاريخ”. أرفض إطلاقا التغاضي مع تصرف يقوم بتدنيس أبسط مبادئ مهنتنا الشريفة”.

استقالة رئيسة تحرير القناة الإذاعية الثالثة لحقتها استقالة مذيعة الأخبار الجزائرية نادية مداسي، من قناة “كنال ألجيري” التلفزية  الحكومية على إثر قراءتها رسالة بوتفليقة للجزائريين.

وأوضحت مداسي التي تعمل مذيعة لنشرة أخبار “قناة الجزائر” المسائية الناطقة باللغة الفرنسية منذ 15 عاما، التي قدمت استقالتها مباشرة بعد تقديمها لنشرة أخبار السابعة، مساء الأحد 04 مارس 2019، بعد تلاوة الرسالة التي قالت إنها قدمت لها في آخر لحظة، من أجل قراءتها على الهواء والتي يتعهد فيها بوتفليقة بالتخلي عن الرئاسة بعد سنة من انتخابه رئيسا لولاية خامسة. وقالت نادية مداسي، إنها قدمت استقالتها من العمل كمذيعة بالقناة، من أجل التفرغ للعمل بالتحرير الصحفي.

وطالت الاستقالات كذلك القطاع الخاص حيث استقال أنس جمعة مدير الأخبار بقناة “البلاد” مع إعلانه تركه لمهنة الصحافة نهائياً، بعد شعوره بالحرج من “عدم تغطية المظاهرة التي خرجت يوم الجمعة”.

وكتب جمعة على حسابه على الفيسبوك، “الانسحاب من ميدان الصحافة ليس كما يعتقد البعض بسبب خلافات مع إدارة القناة او لخلاف على خطها التحريري لأنني انا من كنت يحدده وانا من يتحمل المسؤولية ، الانسحاب جاء لأننا كصحفيين صحيح فشلنا في أداء مهمتنا بمهنية وموضوعية يوم الجمعة وخيبنا امل الشعب ، لكن ايضا لتحولنا إلى كبش فداء ما يحدث في الجزائر ، وتم مس كرامتنا وانسانيتنا كمواطنين لديهم شرف وعائلات ، قبل أن تمس كصحفيين ، أصبحت الشتائم والدروس تتهاطل علينا حتى من بعض النخب المثقفة ، تم تحميلنا فاتورة المرحلة كاملة، نتحمل اكيد جزء منها لكن ليس كلها” .

الإعلامي ومقدم برنامج سياسي في قناة “الشروق نيوز”، قادة بن عمار رغم انّه لم يستقل الا انّه عبّر عن رفضه التعتيم الإعلامي الذي ينتهجه الاعلام الجزائري وكتب بن عمار على حسابه على الفيسبوك “نحن لم ندرس الصحافة للتعتيم على الناس، ما حدث اليوم ليس جريمة في حق المهنية، لكنه جريمة في حق الوطن”.

قد تكون اعتذارات الصحفيين واستقالاتهم غير مؤثرة بالنسبة للنظام الحاكم، إلاّ انّها تمثّل شعاعا من النور خرق سواد التعتيم الذي يخيّم على الصحافة الجزائرية منذ عقود، فبعد العشرية السوداء خيل للصحفيين ان حكامهم سيعترفون بجميل الصحفيين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لأقلامهم…. وفي الجزائر ليس هناك اعتراف يقدّم لحرية الصحافة أبلغ من قول الرئيس بوتفليقة عام 1999 إنه “هو رئيس تحرير وكالة الأنباء الرسمية”.

وسوم:

Share This