الإعلام في تونس بعد الثور ة: رؤية مراسل من مصر حول مصادر العمل الصحفي

31 يوليو، 2019 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالتغطية الإعلاميّةالرقابةالصحافة المتخصصةحرية الصحافة • المحرر(ة)

يقدم الصحفي المصري كارم يحيى في كتابه الجديد “الإعلام في تونس بعد الثورة، رؤية مراسل من مصر حول مصادر العمل الصحفي”، نظرة متميزة للصحافة التونسية بعد الثورة نحن نفتقدها لما فيها من تجرد ونظرة خارجية خالية من تأثيرات التداخلات المحلية، كما يفاجئنا في هذا الكتاب برؤية الصحافة المصرية لما يحدث في تونس من خلال مراسلاته إلى صحيفة الأهرام والتي تكشف عن تحامل متعمد سواء بتشويه مقالاته أحيانا بسبب ما يسميه صراحة “الشوفينية المصرية” وأحيانا أخرى للترويج لإفلاس الاقتصاد التونسي بسبب الثورة وتداعياتها ضمن حملة إعلامية في مصر للتغطية على الارتفاع المهول للأسعار وارتفاع غير مسبوق للدين العمومي المصري.

قسم كارم يحيى كتابه إلى أربعة أقسام، بدأها بتقديم من الصحفية بجريدة الصباح آسيا العتروس حول “المشهد الإعلامي في تونس بعد الثورة بعيون مصرية”، ثم الإعلام في تونس بعد الثورة، رؤية مراسل من مصر حول مصادر العمل الصحفي، يليه قسم حول ملاحظات عن المراسلة من تونس والنشر بالأهرام بين 17 نوفمبر 2016 و4 أكتوبر 2017، وأخيرا ملاحظات إضافية عن فترة المراسلة حتى أوت 2018،

تصف أسيا العتروس كارم يحيى بأنه صحفي مدفوع بالواجب المهني إلى درجة الهوس رغم إحساسه بالمرارة إزاء خيبة النشر لما يبذل جهودا قاسية في جمعه ونشره”، وتشيد بإصراره وحرصه على وضع الإصبع على الداء في الصحافة التونسية، والتحذير والتنبيه من عودة الممارسات القديمة في الصحافة، وخصوصا في دور المكلفين بالإعلام وبيروقراطية الإدارة في التعامل مع الصحفيين. تشير السيدة العتروس إلى أن كارم يحيى ذكرنا بعودة الكثير من عقلية المكلفين بالإعلام في الوزارات والمؤسسات العمومية إلى مهمة حجب الأخبار كما كان يحدث في زمن وكالة الاتصال الخارجي، فقرر التعويل على نفسه لتجاوز هذه الحلقة البيروقراطية في الإعلام.

في رؤيته للإعلام في تونس بعد الثورة، يعترف كارم يحيى بضعف المعلومات التي كانت لديه عن حقيقة الوضع الإعلامي في تونس خارج الصورة التي كانت ترسمها وكالة الاتصال الخارجي عبر عملائها من الصحفيين المصريين الذين تكرمهم مقابل تلميع صورة النظام، ولما اطلع على الوضع بحكم تردده على تونس منذ خريف 2011 نشر مقالا بعنوان “تونس الحمراء وأبناء بن علي في الصحافة المصرية”، نشره بموقع “البديل” الإلكتروني بتاريخ 13 جانفي 2011 مع إعادة النشر بأسبوعية العربي المطبوعة في القاهرة. ويقول كارم يحيى أنه عاين عودة عقلية البحث عن مراسلين أجانب بصفة “أدوات لتلميع النظام” عند الدعوة إلى إحياء وكالة الاتصال الخارجي أثناء أحداث الشغب حول غلاء الأسعار في جانفي 2018، واستياء رئاسة الجمهورية مما اعتبرته تغطية سلبية لتلك الأحداث، كما رآى أن وزارة الثقافة التي تشكو نقص الموارد تنفق جزءا منها على صحفيي التلميع، ويتساءل ما إذا كان ذلك على حساب تمويل الإبداع. إلا أنه يفضل في هذا القسم من الكتاب التركيز على الممارسة العملية للصحافة في تونس بعد الثورة، ولملاحظاته حول بيئة العمل الإعلامي والمحتوى بصفتهما مصدر المعلومات للصحفي الأجنبي في تونس.

يكشف المؤلف عن حماسه لقانون حق النفاذ إلى المعلومة، والذي كان سينهي نظريا احتكار المعلومات في الإدارة، لكن تفاؤله خاب عند محاولته إجراء تحقيق حول النساء العاملات في وسائل النقل في العاصمة، على هامش خطاب الرئيس الباجي قايد السبسي حول مشروع قانون المساواة، حيث واجه خيبة التعامل مع شركة مترو تونس فأرهقوه بمطالب كتابية وصور ونسخ من الهوية وبطاقة الاعتماد الصحفي، ثم طلبوا منه بعد أسبوعين مراسلة كتابية رسمية من الأهرام في القاهرة مع أختامها، وهي طلبات عبثية أنهت حماسه للعمل كله. كما يذكر فشل محاولته الحصول على أرقام حول الناخبين المصريين في تونس من المعهد الوطني للإحصاء رغم الحفاوة وحسن المعاملة التي لقيها من الموظفين،  وفي الإطار يذكر جهوده للحصول على إحصائيات حول الملاحقين قضائيا في أحداث الشغب في جانفي 2018 بين وزارة العدل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لكن دون نتيجة، وكذلك محاولته الفاشلة في الحصول من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على معلومات حول نسبة أعضاء المجالس البلدية وعددهم  قبل الثورة والمترشحين للانتخابات البلدية في 2018، بالإضافة إلى محاولات خائبة مماثلة في وزارة الثقافة حول عدد المسارح والمهرجانات.

ورغم هذه الخيبات، يقر كارم يحيى بوجود تغيير في مناخ العمل الصحفي في تونس لكنه للأسف بصدد التراجع نحو الممارسات القديمة، مقدما مثالا للمقارنة طلبه مقابلة ثلاثة رؤساء حكومات بعد الثورة، أولهم الباجي قايد السبسي في 2011 حيث احتاج إلى أقل من أسبوع لتلقي الموافقة وإجراء الحوار، ثم في مارس 2015 مع رئيس الحكومة الحبيب الصيد الذي احتاج إلى أسبوعين من الانتظار، أما طلب الحوار مع خلفه يوسف الشاهد في ديسمبر 2016 فقد لاقى التجاهل، وهو يعترف بتعقّد مواعيد رئيس الحكومة وقتها لكنه لا يتفهم تجاهل المكلفين بالإعلام لمطالبه، حتى بالرفض. وفي نفس الإطار يتذكر سرعة حصوله على حوار مع أمين عام اتحاد الشغل حسين العباسي في 2014 ثم صعوبة اللقاء مع خلفه نور الدين الطبوبي عامي 2017 و2018 واشتراط طلب الأسئلة مسبقا ثم التسويف ثم سقوط الأمر في التجاهل.

وكما هو متوقع، فقد انتهى كارم يحيى إلى اكتشاف الطريقة الأسهل في تحصيل المعلومة في تونس وهي تفادي المكلفين بالإعلام والاتصال المباشر بالمسؤولين لمواجهة ترهل إدارات الإعلام إلى حد وصول مراسلات ودعوات حضور الأحداث والندوات بعد فوات وقتها. كما يشير هنا إلى أخطاء اتصالية تونسية غير مهنية وهي خروج مسؤول عن ندوة صحفية في وسيلة إعلام واحدة مسبقا بمحتوى الندوة مما يفقد الرغبة في متابعتها، يعطي مثالا على ذلك المثال الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في 2016،

إلا أن المؤلف يقر بالفارق الكبير بين مناخ العمل الصحفي في تونس ومثيله في بقية الدول العربية وخاصة بلده مصر، متفاجئا بالسماح له بالعمل والتصوير حول الإرهاب والبيئة الاجتماعية والثقافية في قرية بولعابة في سفح جبل الشعانبي 18 ديسمبر 2015، وهي منطقة عمليات عسكرية تكاد تكون مغلقة أو التسهيلات التي تلقاها للعمل الميداني أثناء للهجوم الإرهابي على بن قردان في 2016 وأحداث الشغب في طبربة في جانفي 2018 رغم انزعاج رئيس الدولة رسميا من التغطية الإعلامية الأجنبية. تعرض فقط إلى منغصات بسيطة في مدن الحوض المنجمي تمثلت في حضور الشرطة بزي مدني للسؤال عن مكان إقامته وظروفها ووجهته، لكنه لم يتعرض مطلقا للاستجواب حول ما ينشره،

يقدم كارم يحيى مقارنة تستحق الانتباه بين الإعلام العمومي المصري ونظيره التونسي الذي تحرر من بروتوكول السلطة والدولة وحقق انفتاحا على أوسع طيف سياسي، ويشيد بشكل خاص بأداء إذاعة تطاوين في ربيع 2017 الذي وفر الموضوعية والحرفية، مقابل ضعف الإذاعة العمومية والتلفزة الوطنية واعتمادهما المفرط على وكالة تونس إفريقيا للأنباء، يشير أيضا إلى “ثقل للخطاب المعادي للثورة في الإذاعة والتلفزة ولحقوق المواطنين بما يفيد بقوة الثورة المضادة”، لكنه عموما يعتبر نشرات الإذاعة مصدرا قارا وضروريا لعمله، مع ملاحظة حول اهتزاز وتراجع الموضوعية في احتجاجات جانفي 2018، وتراجع أداء الإعلام العمومي مع العمليات الإرهابية، حيث يشير إلى “تسلل جرعة زائدة وفجة من الدعاية ضد الديموقراطية”.

ويقدم المؤلف نظرة سلبية للصحف والمواقع الإخبارية التونسية لغلبة مقالات الرأي على مقالات الخبر والنقص الفادح في الأجناس الصحفية وخصوصا الاستقصاء، مثلا، يرى أن جريدة الشروق التي تقدم الجرعة الأكبر من الإخبار، تميل بإسراف إلى الإثارة وتضحي بالدقة والمعقولية، وأنه اختبر بنفسه في زيارات ميدانية عدم صحة عدة ملومات نشرتها حول مهاجمة مقرات أمنية في حي التضامن. كما يقدم رأيه في صحيفتي “الصباح” المصادرة و”الصحافة اليوم” العمومية حيث أن الأولى أفضل بكثير وتوفر أجناسا صحفية متطورة مثل الاستقصاء وتوازن بين الرأي والإخبار، أما جريدة “الصحافة اليوم” فتشوبها أخطاء مهنية وتعاني من وزن ثقيل للثورة المضادة، بالإضافة إلى ما يسميه “مخالفات وانتهاكات منهية لم ينج منه هو نفسه” مثل سرقة مقاله كاملا بطريقة نسخ ولصق، الصادر بجريدة الأهرام بتاريخ 6 جانفي 2017 في شكل حوار مع مدرب الفريق الوطني التونسي  لكرة القدم هنري كاسبارجاك، وتوجه المؤلف إلى نقابة الصحفيين من أجل توضيح أو اعتذار لكن لا شيء حدث،

وخلاصة رأيه في الصحافة التونسية يتحدث عن خيبة أمله في رؤية تونس تتحول بفعل الثورة إلى مركز إشعاع للصحافة العربية الحرة لكن عمله في تونس كشف له عن غلبة المحلية والشوفينية الوطنية في الصحافة التونسية التي تأثرت بضعف السوق المحلية وبتوجه أموال الإشهار في الإعلام، إنما يبدي إعجابه بتطور مقاومة الصحفيين التونسيين لكل محاولات التضييق عليهم في عملهم، ولا يخفي إعجابه بمحتوى موقعي “نواة” و”انكيفادا” الذين يعتبرهما استثناء متميزا في الصحافة التونسية مع الإشارة إلى تفشي هشاشة ظروف العمل لدى الصحفيين الشباب في تونس.

رقابة مصرية على مراسلات تونس

نأتي بعد ذلك إلى الجزء الأكثر أهمية في هذا الكتاب وهي معاناة كارم يحيى بصفته مراسلا لدار الأهرام في تونس من 17 نوفمبر 2016 إلى 4 أكتوبر 2017 من تجاهل لمراسلاته ومن انتهاك لأخلاقيات المهنة وقواعدها بدءا بتأخر النشر وصولا إلى إدخال تغييرات مضرة بالنص الأصلي إلى حد تغيير معناه وتوظيفه لغايات غير إعلامية وحتى غير أخلاقية مثل الترويج لفشل الاقتصاد التونسي وقرب انهياره وربط ذلك بالثورة التونسية، خصوصا حين يتزامن ذلك مع موجة غلاء أسعار وصلت إلى 60 بالمائة في مصر وارتفاع غير مسبوق في الدين العمومي،

وأغرب ما جاء في الكتاب هو أن المراسل الذي ألزم نفسه بمراسلة يومية من تونس، وأحيانا أكثر مع تنويع الأجناس الصحفية، قرر عدم متابعة ما تنشره مؤسسته لكي لا يصاب بالإحباط وفقدان الأمل بسبب تأخر النشر أو حجبه تماما، وبسبب فقدان التنسيق بينه وبين مختلف مستويات التحرير،

كان يتوقع حدا أدنى من التعامل الإيجابي لكنه عانى من فقدان التنسيق مع دوريات ومواقع المؤسسة، من سلبية كبيرة في التعامل معه رغم تغطية نشاط عدة مؤسسات عربية بتونس، مثل مجلس وزراء الداخلية العرب، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، اتحاد إذاعات وتلفزيونات الدول العربية، كان إحباطه عميقا وهو يرى مؤسسته ترمي بمقالاته التي تتميز بالانفراد بالمعلومة وبالحرفية والالتزام بمقاييس النشر من حيث الحجم والجودة لتنشر مقالات منقولة عن وكالات أنباء أخرى، دون اعتبار الحالات المتكررة من اجتزاء المقالات وتغييرها أو إضافة عبارات لها لم يكتبها ولم يقصدها بما يخل بمعناها، ول تنفع احتجاجاته كما لو أنه “لا أحد يقرأ، لا أحد يسمع، لا أحد يهتم”.

ويقدم كارم يحيى مثالا على الاستهتار بعمله إلى درجة التزوير وتغيير المحتوى في انتهاك خطير لقواعد الصحافة مثل تغيير في عنوان مقال يفسره المراسل بأسباب شوفينية من اعتبار المصريين أنفسهم أصل السينما في العالم العربي، يقول: “وأضرب مثلا على هذا بتقرير كتبته وأرسلته مع وفاة السينمائي الراحل “عمار الخليفي” تحت عنوان “رحيل عمار الخليفي أب السينما التونسية : صاحب أول فيلم روائي طويل”، فتحول عند النشر إلى “مع رحيل عمار الخليفي : السينما التونسية عاجزة عن الانتشار عالميا” في عدد 3 يناير، جانفي 2018.

يرى أيضا أن “ارتباك مركز جريدة الأهرام بشأن النشر من وعن تونس قد تجسد بشكل لافت مع احتجاجات الغلاء والميزانية في جانفي يناير 2018 مصحوبا بالاستهانة بجهد المراسل وبالمخاطر التي قد يتعرض لها”، ويلخص الغاية من ذلك بأنها رغبة في إيهام القارئ المصري بأن تونس تعاني اقتصاديا بسبب الثورة، وخوفا من أن يؤدي نشر أخبار الاحتجاجات في تونس إلى اقتداء الشارع المصري بها، وبلغ الأمر بأحد مديري التحرير في القاهرة حد الدخول على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك لتقاسم مقاله المحجوب عن النشر حول مسيرة لمساندة مشروع قانون المساواة في الميراث مع تعليق صادم “يروج للكفر ومخالفة شرع الله”.

يكشف المؤلف أنه بلغ مرحلة من اليأس من النشر لمراسلاته حد التخلي عن كتابة اسمه في مقدمات مراسلاته من تونس ، ثم  إطلاق حملة في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي بعنوان: “من حقك أن تعرف، وأن تعرف بمهنية “، ممهورا بنص المادة 19 الداعم لحرية التعبير، وأن يصل إلى حد كتابة “إبراء ذمته” تجاه القارئ المصري مما تتعرض له مقالات من تونس من حجب وتشويه متعمدين وتوظيف سياسي سيء لمحتواها.

وسوم:

Share This