الإعلام الليبي في المرحلة الانتقالية: عُبورً محفوفٌ بالمخاطر والألغام (جزء 2)

14 يناير، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالتغطية الإعلاميّةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

images

العلم الليبي

لا يمرُ أسبوع في ليبيا إلا ويجدُ حادث يطال إعلاميين بالقتل أو الخطف ووسائل إعلام بالغلق أو القصف. وأثرت تلك التعديات تأثيرا بالغا في قدرة هذا القطاع الحساس على القيام بدوره الإعلامي والتنويري، وهو دورٌ يتضاعف في مثل أوضاع الحرب الأهلية التي تمرُ بها ليبيا. وقد تدهورت الأوضاع السياسية والأمنية بشكل غير مسبوق في أعقاب اندلاع صراع دموي بين كتائب “فجر ليبيا” المصراتية (الغرب) وقوات “عملية الكرامة” التي يقودها الجنرال خليفة حفتر (الشرق) بعد الانتخابات البرلمانية في جويلية (يوليو) 2014، التي كانت التيارات الأصولية الخاسر الأكبر فيها (الجزء الثاني من المقال).

قصف المقرات وغلق القنوات

تعرّضت مقار العديد من الوسائل الإعلامية الليبية في مناسبات مختلفة للقصف بصواريخ “غراد” في بنغازي(شرق) وسرت وطرابلس (غرب)، فيما تعرض مراسلون صحفيون لعمليات إطلاق نيران أثناء تغطيتهم لأحداث ميدانية. وتأتي قناة “العاصمة” على رأس القائمة حيث اقتحمها مسلحون وأضرموا النار في المبنى مثلما أسلفنا، واختطفوا ثلاثة من العاملين فيها، ومازال مصيرهم مجهولا حتى الآن. والأمر ذاته شهدته قناة “ليبيا” الدولية، حيث اقتحمتها ميليشيات “فجر ليبيا” فحطمت أجهزتها ونهبت كل ما وقع بين أيديها، وحتى العاملون لم يسلموا من تلك الاعتداءات.

ويمكن القول أيضا إن الصراع الدائر بين الجيش والميليشيات المتشددة استدرج أجهزة الإعلام إلى بؤر الصراع المشتعلة هنا وهناك، وبخاصة المحطات التليفزيونية التي انتشرت مثل الفطريات في جميع أنحاء البلد. وازداد الأمر تعقيدا مع “امتلاك” كل منطقة بل وكل حزب قناته (أو قنواته الخاصة) مثل الزنتان ومصراتة وبنغازي.

ومع احتدام الحرب الأهلية بين الميليشيات وقوات “الجيش الوطني” للسيطرة على مدينة بنغازي وعلى مطار العاصمة طرابلس، تعرض مبنى تليفزيون مدينة بنغازي أو “بنغازي تي في” للقصف بالهاون، مما أدى إلى تدمير جزء كبير من مبنى القناة اليافعة وتحطيم كامل مرافق الاستوديوات والتجهيزات عالية التقنية التي حصلت عليها لدى انطلاقها. ويقع مقر “بنغازي تي في” (BTV)، وهي المحطة التليفزيونية الرسمية للمجلس البلدي لمدينة بنغازي في حي “تابلينوا”، وهو أحد الأحياء الراقية في المدينة، غير بعيد عن مقرات عدد من الميليشيات المسلحة. ونتيجة للاعتداء اضطرت القناة الوليدة للتوقف عن البث في أولى مراحلها التجريبية.

وفي وقت سابق من العام الجاري اقتحم مسلحون في العاصمة مجددا مقر قناة “النبأ” القريبة من حكومة طرابلس برئاسة خليفة الغويل غير المعترف بها دوليا، وأجبروا العاملين فيها على مغادرتها بعدما أوقفوا بثها، حسبما صرح لوكالات الأنباء صحافيان يعملان في القناة. وكانت القناة بثت في ذلك اليوم بياناً متلفزا لرئيس الحكومة الغويل دعا فيه رئيس الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة فايز السراج إلى مغادرة المدينة بعدما دخلها فجأة عن طريق البحر. وبثت القناة تصريحات لأعضاء في البرلمان غير المعترف به دوليا في طرابلس أدانت دخول حكومة السراج إلى المدينة من دون موافقة سلطاتها، واصفين الضباط الذين سهلوا مهمة السراج بـ”الخونة” [3]. وقبل ذلك تعرض مقر قناة “ليبيا الحرة” (وهي واحدة من المحطات التليفزيونية البارزة بعد الثورة) في بنغازي لاعتداء بقنبلة يدوية في يونيو (جوان) 2014 ما تسبب في حدوث أضرار في البناية وجرح أحد العاملين في المحطة.

وأكدت منظمة “مراسلون بلا حدود” في بيان أصدرته بتلك المناسبة على ضرورة “التحقيق بصرامة في جميع هذه الاعتداءات ومقاضاة مرتكبيها”، وحثت السلطات الليبية على “الوفاء بالتزاماتها المحلية والدولية في مجال حرية الاعلام”، مُشددة على “الدور الذي يضطلع به الاعلاميون في ليبيا الجديدة، خصوصا في العملية الشاملة لبناء دولة مستدامة وديمقراطية على الأمد البعيد، وما يستوجبه ذلك من احتواء العنف بسرعة”.

حيادٌ عن الرسالة الاعلامية ومحاولة تلجيم الإعلام

وبالإضافة للخطف والاغتيالات وقصف المقرات الاعلامية يتعرض الصحفيون في ليبيا إلى أنواع شتى من الانتهاكات والاعتداءات الأخرى، فعلى سبيل المثال أحصت وحدة رصد الانتهاكات بـ”المركز الليبي لحرية الصحافة” (غير حكومي) في شهر واحد فقط أكثر من عشرين حالة اعتداء جسيم طالت صحفيين ومؤسسات إعلامية مختلفة، وستين اعتداء في الشهرين الأولين من العام الجاري، وهو ما يُظهر حجم الأخطار التي يواجهها من تمسكوا بالعمل طبق أصول المهنة والضوابط الأخلاقية، رافضين جميع المُغريات والتهديدات. ولعل النقيب العام للصحافيين والاعلاميين الليبيين مصطفى فنوش كان يشير إلى عمليات الإغواء والابتزاز حين استنكر في وقت سابق من العام الجاري “التغطية التي تقوم بها بعض الوسائل والقنوات الاعلامية المحلية”، مُعبرا عن أسفه “لقيام بعض القنوات الاعلامية بالإساءة كثيرا لرسالتها الاعلامية وللقواعد المهنية”، من دون أن يُسمي صحفا أو محطات محددة.

وأتى هذا الانتقاد على خلفية إقبال عدد كبير من رجال الأعمال على امتلاك محطات تليفزيونية يستخدمونها لتوجيه الرأي العام في قضايا سياسية معينة، إضافة لامتلاك أحزاب وميليشيات محطات خاصة بها، مما يُحدث إرباكا شديدا لدى الرأي العام[4] . وكثيرا ما عبر صحفيون ليبيون عن قلقهم البالغ من تراجع مؤشر حرية الصحافة وتوغل أصحاب المصالح فيها، مما يُهدد مكانة الصحافة الحرة في المجتمع الليبي.

وتتطلع غالبية الإعلاميين الليبيين اليوم إلى تمكين وسائل الاعلام من لعب الدور المنوط بها في خدمة قضايا المجتمع الليبي ومعالجة مشاكله الحيوية بقيادة شباب متميز ومتمكن، وهو دور يتطلب أن تتوافر في من يتصدون له الشعور بالمسؤولية الأدبية والأخلاقية، وهي صفة لا يملكها الدخلاء والمسؤولون عن القنوات، الذين يحاولون السيطرة على وسائل الاعلام وتوجيه الرأي العام لخدمة مصالحهم من خلال بث الإشاعات والأخبار غير الموثوق من صحتها، بما يعني ممارسة التضليل، وكذلك خدمة أجندتهم التي تعمل على تكريس الانقسام والجهوية وبث الفتنة بين أفراد المجتمع الواحد. ففي هذه المرحلة تغولت المليشيات المسلحة وتفننت في ممارسة الارهاب والخطف والتعذيب في غياب سلطة القانون. إنها مرحلة شهدت الاستيلاء على الممتلكات العامة واستخدامها لأغراض جهوية أو قبلية، وسط غياب الدولة وعدم القدرة على بسط الكيان السياسي على شبكة العلاقات الاجتماعية داخل الاطار الجغرافي للدولة، إضافة الى إخفاقها في إحلال السلم والامن الاجتماعيين [5].

على هذا الأساس يتضح أن مستقبل الصحافة في ليبيا يتوقف على حل المعضلة السياسية بين الفريقين المُتقاتلين واستئناف مسار الانتقال السياسي، فالمشهد الاعلامي الراهن بات يتسم بالغموض واختلاط الألوان، إذ أن معظم القنوات التليفزيونية صارت ناطقة باسم الجماعات المسلحة وفقدت المصداقية التي كانت تحظى بها في السنوات الأولى بعد انتفاضة 2011 بفضل توازنها وحيادها[6]. وأظهر تقرير أعده المعهد الأمريكي للسلام (USIP) ومعهد الاستشارات ألتاي (Altai Consulting) حول واقع الاعلام في ليبيا منذ سنة 2014، أن موقف الرأي العام الليبي تجاه وسائل إعلامه تغير، إذ لم يعُد يثق فيها ولا يتخذ منها مصدرا للإخبار عما يجري في بلده.

وبالرغم من أن الجيل الصاعد الذي تحمس لبناء حرية الاعلام أصيب بخيبة أمل في أعقاب غرق معظم وسائل الاعلام في لعبة الاستقطاب الثنائي بين الفريقين المتصارعين، غير أن واضعي التقرير أكدا أن القنوات التي تُناوئُ الجماعات الاسلامية تحظى بالثقة أكثر من تلك الموالية لها، واعتبرا أن ذلك يعكس المزاج العام السائد بين الليبيين اليوم والمُتسم بمناهضة التيارات الأصولية.

مع ذلك استمرت بعض الجهود من أجل وضع ميثاق شرف مهني[7] فقد ساعدت منظمة “اليونيسكو” على بلورة مثل هذا الميثاق من خلال ثلاثة اجتماعات عُقدت في اسبانيا ورابع في تونس، لاستحالة عقدها في ليبيا. وشكلت تلك الخطوة اللبنة الأولى في إصلاح المنظومة الاعلامية بمكافحة التحريض والتجييش، والالتزام بالمعايير الدولية، مع العمل على ترويج تلك المعايير، وتشجيع المعالجة المهنية للقضايا والموضوعات، وهي المبادئ العامة التي اعتمدها الإعلاميون الليبيون خلال اجتماعاتهم الثلاثة في مدريد. ويفتح هذا المسار باب الأمل بأن يستعيد الاعلام الليبي عافيته، ويصبح عُنصر دفع أساسيا نحو استكمال تحقيق الانتقال الديمقراطي وحماية الحريات.

[3]  مسلحون يوقفون بث قناة مقرّبة من حكومة طرابلس، جريدة “الحياة” اللندنية بتاريخ 31 مارس 2016

[4]  الإعلاميون في ليبيا يدفعون ضريبة الحرب الأهلية، موقع سويس انفو بتاريخ 28 سبتمبر 2014

[5]  عبد السلام الزغيبي:  ليبيا بين العسكر والساسة، الحوار المتمدن العدد 5312 –12 أكتوبر 2016 

[6] Abou-Khalil (Naji) and Hargreaves (Laurence) http://www.unesco.org/new/en/ communication-and-information/ resources/news-and-in-focus- articles/all-news/news/ towards_a_professional_media_ in_libya/

[7] http://www.usip.org/ publications/2015/04/30/the- role-of-media-in-shaping- libyas-security-sector- narratives

للاطلاع على الجزء الأول من المقال

حقوق الصورة @أخبار ليبيا 

وسوم:

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share This