الإعلام التونسي: من رقابة الدولة إلى مراقبة المجتمع المدني

1 نوفمبر، 2016 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

إثر عقود من سيطرة أجهزة الدولة وانتهاجها سياسات قمعية ضد وسائل الإعلام،  تحرّرت هذه الأخيرة كلّيا بعد الثورة إلى حد أنها أصبحت أقرب منها إلى الفوضى. وقد أدّى هذا الوضع إلى طرح إشكالية مسؤولية وسائل الإعلام وشفافيتها. وفي ضلّ غياب الرقيب الحكومي، وجد المجتمع المدني التونسي نفسه مُجبرا على مراقبة وسائل الإعلام.

في إطار الاستجابة لها الدور الجديد، نشرت منظمة “أنا يقظ” للشفافية والحوكمة الرشيدة تقريرا  حول التلاعب الضريبي  في القناة التلفزية الخاصّة “نسمة TV”.وحسب هذا التقرير، قامت قناة نسمة والشركة المالكة “قروي اند قروي”  بتحويلات مالية مشبوهة لحساب فروعها بالمغرب وكندا ودبي ولكسمبورغ.

a

وفي نفس هذا الإطار قامت منظمة “مراسلون بلا حدود” وجمعية “الخط”  التونسية التي تشرف على موقع “انكيفادا” للصحافة الاستقصائية، بتحقيق  حول ملكية وسائل الإعلام بتونس. انطلاقا من مبدأ أن لوسائل الإعلام تأثير كبيرعلى طريقة فهم المتلقّي لعديد  المواضيع، قامت المنظمتان بالتحقيق حول وسائل الإعلام التونسية وهويّة مالكيها. وكشف هذا التحقيق عديد التجاوزات والتضارب في المصالح ومحاولات رجال أعمال وسياسيين توجيه الرأي العام.

وحسب نفس التقرير، تبيّن أن التلاعب بنتائج دراسات قياس الجمهور التي تنشر في وسائل الإعلام التونسية أدى إلى مغالطات بخصوص نسب المشاهدة الحقيقية. وقد لعب الاحتساب المكثّف لنسب المشاهدة في تونس بعد الثورة دورا هاما في دراسة ومعرفة الرأي العام على عديد المستويات وخلال جميع مراحل الانتقال الديمقراطي. وكشفت الدراسة انه غالبا ما يكون هدف الجهات التي قامت بهذه الدراسات التلاعب بالرأي العام وليس احتساب نسب المشاهدة.

media-ownership

وتبيّن الدراسة أنه على الرغم من حظر الهايكا (هيئة تنظيم القطاع السمعي البصري) الجمع بين ملكية  قناة تلفزيونية وملكية مؤسسة سبر آراء(المادة 8 من كراس الشروط)، لم  يمنع هذا من التقارب بين استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام. ذلك أن حسن  الزرقوني، على سبيل المثال، هو في نفس الوقت مالك  معهد “سيقما كونساي” لسبر الآراء ومعلّق في أحد البرامج التلفزية لقناة الحوار التونسي.

أما النتيجة الثانية التي كشفت عنها الدراسة فتتعلق بالطابع السياسي للمحتوى التحريري. إذ يتبيّن أن وسائل الإعلام الخاصة، التي من المفترض أن تكون مستقلة، هي هياكل متحزّبة جدا. وعلى الرغم من حظر الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (HAICA) الانتماء الحزبي، لا تزال وسائل الإعلام السمعية والبصرية تحت تأثير الأجندات السياسية.

وأظهرت الدراسة كذلك أن الغالبية العظمى من محطات التلفزيون التي شملتها الدراسة (6 من 10) لديها بالفعل صلة مباشرة أو غير مباشرة مع حزب أو شخصية سياسية: نبيل القروي، المؤسس والمدير التنفيذي السابق لقناة “نسمة” ، انظمّ في وقت ما إلى قيادة حزب نداء تونس. أما العربي نصرة، مؤسس قناة “حنبعل”، أول قناة  تلفزيون خاصة بتونس، فقد اضطٌرّ إلى بيع الأسهم التي كان يملكها في القناة قبل دخوله معترك السياسة. وهو ما مكّنه من تأسيس حزب سياسي والترشّح للانتخابات الرئاسية سنة 2014. كما يرتبط تاريخ قناة “الحوار التونسي” أيضا بالسياسة. فقد بعثها المعارض السابق لنظام بن علي الطاهر بن حسين  والذي انضمّ لاحقا إلى حزب نداء تونس، حسب نفس الدراسة.

ownership

وتمّ اكتشاف تجميع ملكية بعض وسائل الإعلام خاصّة على مستوى أملاك المقرّبين من الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي المصادرة. إذ نجد من بين الشركات المصادرة، 16 (ما يقرب 3٪) شركة تدير أو تشارك في إدارة وسيلة إعلامية. وتشمل هذه الوسائل الإذاعة الدينية “الزيتونة” FM  (100%) و “دار الصباح” للنشر الصحفي (79.62٪)، والمحطات الإذاعية “شمس أف أم” (70٪) و”موزاييك” ((13.27٪ وقناة “حنبعل” (10٪).

ولّدت حالة الفوضى الإعلامية، في تونس ما بعد الثورة،  الحاجة إلى التنظيم، ولكن، لا أحد يريد العودة إلى سيطرة الدولة. فهل تنجح منظمات المجتمع المدني المستقلة في لعب دور الضّامن الجديد لحق المواطن في الإعلام؟ ويبقى السؤال قائما حول مدى حياد منظمات المجتمع المدني التي تقدم نفسها كحامية للحريات.

وسوم:

Share This