الأزمة بين قطر ودول الخليج: اختبار آخر يكشف ارتباط الإعلام بالسلطة

12 يونيو، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام والسياسةالتغطية الإعلاميّةحرية الصحافة • المحرر(ة)

Golf

نشرت وكالة الأنباء القطرية “قنا” الثلاثاء 23 ماي تصريحات يمكن أن تكون منسوبة لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني (قبل أن تنفي الوكالة التصريحات وتقول أنها تعرضت للقرصنة) يشير فيها الأمير إلى علاقات بلاده مع إيران، ويندد فيها بمؤامرة خليجية تحاك ضد بلاده، وتحدث في التصريحات المزعومة أيضا عن أن القاعدة الأمريكية في بلاده قد نصبت لحماية قطر من أطماع دول الجوار. وتلى هذا “النشر” تصريحات نًقلت عن وزير خارجيته يؤكد فيها سحب قطر لسفرائها من خمس دول عربية وهي السعودية والإمارات ومصر والكويت والبحرين.
ولكن وبعيد ساعات من “نشر” وكالة الأنباء القطرية للتصريحات، أعلنت الوكالة على لسان مديرها العام سيف بن أحمد آل ثاني أن موقعها تعرض للاختراق من جهة غير معلومة، وأن التغريدات المنسوبة للأمير ولوزير الخارجية “مفبركة”، وتم حذف التغريدات السابقة التي تحوي التصريحات المنسوبة لأمير قطر ووزير خارجيته.
الأزمة الإعلامية الأخيرة في الخليج العربي بين قطر من جهة والإمارات والسعودية والبحرين من جهة أخرى ليست الأولى من نوعها في السنوات الأربع الأخيرة بالرغم من احتداد الخطاب وتشدد اللهجة بين الأطراف في الأزمة الحالية. فقد وصل الخلاف بين السعودية والإمارات مع قطر سنة 2014 إلى حد سحب السفراء المتبادل وذلك على خلفية التباين في الرؤى الإقليمية بين الطرفين حول مسائل تخص دعم بعض الأطراف السياسية في مناطق عربية بعينها مثل سوريا وليبيا وفلسطين ومصر وتونس وغيرها.
المثير للانتباه في هذه الأزمة هو انخراط الإعلام في الأزمة، وكيف أن الصحافة تلعب دورا في الأزمة من ناحية أنها وسيلة للصراع ومنخرطة بشكل كامل في المواجهة الدبلوماسية بين أطراف الأزمة، الأمر الذي يكشف ارتباط وسائل الإعلام في هذه الدول بالعائلات المالكة بشكل مباشر وأن الإعلام قطاع بعيد كل البعد عن الاستقلالية والمهنية.
وكأمثلة على ذلك، قامت قناة العربية التابعة للسعودية ببث حصص حوارية استضافت معارضين للسياسة القطرية، كما بثت العربية تسجيلا صوتيا قالت إنه يعرض لأول مرة لأمير قطر الاب في اجتماع مع القذافي يهاجم المملكة السعودية كما نقلت تصريحات قديمة للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح يكشف فيها عن طلب الأمير الأب منه المساعدة في تخريب السعودية.
أما فيما يتعلق بقناة سكاي نيوز التابعة للإمارات فقد بثت تقريرا عن “الدور السلبي والتآمري الذي قام به الإعلام القطري منذ سقوط الإخوان في عام 2013 ضد الدولة المصرية وشعبها”. وقال التقرير، الذي جاء تحت عنوان “قطر ومصر.. رهان التعهدات الخاسر”، أنه منذ الإطاحة بنظام الإخوان في مصر عام 2013 “سخرت قطر آلتها الإعلامية الضخمة من قنوات وصحف لمواجهة مع مصر تحت دعوى إعادة الشرعية”.
هذا وقد منعت السلطات القطرية توزيع صحف سعودية وإماراتية في البلاد على خلفية الأزمة مثل صحيفتي “عكاظ” السعودية و”البيان” الإماراتية، كما منعت كل من البحرين والسعودية وقطر ومصر بث قناة “الجزيرة” كل في دولته. والواضح أن مضامين هذين التقريرين (التسجيل الصوتي في العربية والتقرير في سكاي نيوز) يندرجان ضمن الارتباط بين الإعلام ودوائر القرار السياسي.
إن بنية الإعلام في دول الخليج العربي متقاربة جدا، إذ درج في بعث الصحف والتلفزيونات والإذاعات والإنتاجات الدرامية وغيرها أن تكون مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالسلطة متمثلة في أحد أفراد العائلة المالكة أو ووكلاء عنها، وقد أشار تقرير نشره مركز الدوحة لحرية الإعلام إلى أن القوانين التي تسري في مجال الإعلام والصحافة في دول الخليج تعتبر قامعة لحرية التعبير وملتصقة عضويا بإدارة من السلطة: الترخيص المسبق للمؤسسات الإعلامية واحتكار الحكومة حق إصدار وإلغاء التراخيص بشكل يحد من استقلال وسائل الإعلام، فضلا عن أن جميع دول المجلس تضع قائمة طويلة من المحظورات في قوانينها، وتفرض قيودا عدة على نشر المواضيع التي قد “تضر بالاقتصاد” أو تؤدي إلى “الإخلال بالنظام العام، مما ولد لدى الصحافيين والعاملين في الحقل الإعلامي رقابة ذاتية كبيرة.
وبحسب نتائج البحث، تفرض كل من الكويت والبحرين والسعودية وسلطنة عمان قيودا مشددة على نشر قصص إخبارية بلا أدلة مؤكدة ومن مصادر محددة، مما يساهم أيضا في رفع درجة الرقابة الذاتية عند الصحافيين لتجنب الدخول في مواجهة مع القضاء. لكن الأهم من ذلك كله أن جميع القوانين في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تحظر وتجرم التعرض بالنقد للحكام.
ويعد تغير أجندة ترتيب الأخبار في النشرات الإخبارية بالتلفزيونات الخليجية وكذلك تكاثر مقالات الرأي والتحليل من حيث الكم في أعمدة صحف الدول محل الخلاف دليلا ملموسا يؤكد الارتباط العضوي للأجهزة الإعلامية بأجهزة السلطة السياسية والدبلوماسية. مثل قناة سكاي نيوز الإماراتية التي تناولت في كل برامجها تقريبا في الأسبوع الأخير الأزمة مع قطر في برامج مثل: غرفة الأخبار، حديث العرب، المساء، من الرياض، نيران صديقة، عن قرب، والساعة الإخبارية “الأولى” التي تبث كل يوم.
هذا التغيير في الأجندة حدث في العديد من الصحف والقنوات التلفزيونية الأخرى مثل صحيفة عكاض السعودية وكذلك قناة العربية، فقد نظمت القناة مباشرة بعد ساعة من “نشر” وكالة الأنباء القطرية لتصريحات الأمير تميم حصة حوارية حول التصريحات من وجهة نظر سعودية.
تعد الأزمات الدبلوماسية بين دول الخليج نوعا من الاختبار للإعلام والصحافة في دول الخليج وقد أثبتت كل تلك الاختبارات أن واقع الحريات الصحفية والإعلامية في تلك الدول متراجع جدا (تقرير مراسلون بلا حدود لسنة 2017 والذي يصنف واقع حريات الصحافة والإعلام في دول الشرق الأوسط والخليج بـ”خطير للغاية”. وينخرط الإعلام في الخليج في إطار المقاربة الشمولية للإعلام نظرا لخضوعه التام ماليا وتحريريا للسلطة السياسية.

حقوق الصورة @thenewkhalij

وسوم:

Share This