التلفزيون والميديا الجديدة: تهديد أم احتواء؟

5 يناير، 2018 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالإعلام الرقميالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @techpoint

مثلما تأسس عصر الصحيفة في أوروبا الغربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بناء على حاجة المجتمعات إلى المعلومة ضمن مخاض الأنظمة السياسية الحديثة وتمثلات المواطنين لعالم ما بعد العصور الوسطى، فإن ظهور التلفزيون كوسيط إعلامي جماهيري كان استجابة لتطورات عميقة في بنية ومسار المجتمعات منذ حقبة الستينات إلى اليوم. وقد شهد منذ ولادته تطورات عديدة لعل أهمها ما حصل في نهاية الحرب الباردة مع ظهور الفضائيات والبث المباشر وانتصار كونية الصورة وفوريتها.

وإذ عاش التلفزيون عصره الذهبي في العقود الثلاثة الأخيرة، إلا أن بداية انحداره وانحسار إشعاعه قد بدأت بالفعل مع ظهور وسائل الإعلام الجديدة المرتكزة أساسا إلى الإنترنت. فمثلما تهدد المواقع الإخبارية الإلكترونية الصحف الورقية وأنهت تقريبا، فإن الإعلام الجديدة تمثل تحديا جديا أمام التلفزيون الذي لن يقاوم امتداد تلك الإعلام وانتشارها السريع بين المستخدمين، بل سوف يحاول احتواءها وهضمها للظفر بعمر إضافي في حقبة الانفجار الاتصالي كما يقول الباحث الاتصالي الكندي سيرج برو.
فهل سينجح التلفزيون في احتواء وسائل الإعلام الجديدة وتطويعها للحفاظ على استمراريته المادية والرمزية أم سيضمحل تحت تأثير السرعة والقدرة التفاعلية التي يوفرها الإعلام الجديد ؟ وهل سيفرض غزو وسائل الإعلام الجديدة إنشاء مؤسسات متخصصة في مرافقة التلفزيون ودعمه وسط هذه المنافسة الحادة؟

يشير القسم الخامس من التقرير السنوي لسنة 2016 الذي تصدره اللجنة العليا للتنسيق بين الفضائيات العربية التابعة لاتحاد إذاعات الدول العربية بعنوان التحدي الأكبر: الإعلام التفاعلي إلى أن التلفزيون مكن العالم من ملامسة عصر الشاشة بامتياز وهو العصر الذي أطلق عليه بعض الفلاسفة والمفكرين بـالقرية الكونية وعصر الحرب على المباشرة )في إشارة إلى نقل أحداث الحرب على العراق سنة 1991 عبر البث الفضائي المباشر الذي أمّنته قنوات مثل CNN وBBC لكن طبيعة التطور الإنساني حتمت على تلك اللحظة السحرية أن تنتهي لتبدأ لحظة أخرى في تاريخ الإعلام والاتصال وهي اللحظة السيبيرية الافتراضية.

بالرغم من قوة التلفزيون وقدرته على جذب الانتباه عبر الصورة، إلا أن وسائل الإعلام الجديدة قد تفوقت عليه بخصائص عدة لعل أهمها الديناميكية والتفاعلية والجمع بين النص والصورة والصوت في ملف واحد والمحمولية. كل تلك الخصائص مكنت وسائل الاتصال الجديدة من اقتحام كل مجالات الحياة ـ حتى العائلية والحميمية منها ـ ومست كل الشرائح الاجتماعية والمهنية والعمرية ما أثر على التلفزيون وإشعاعه كوسيلة إعلام جماهيرية طبعت وجودها بوضوح في التاريخ.

محاولات التلفزيون لاحتواء وسائل الإعلام الجديدة وتطويعها لصالح البقاء

أمام هذه التهديدات الجدية، أصبح القائمون على الفضائيات يفكرون في الرد على هذا التطور السريع لوسائل الاتصال الافتراضية فانهمكت الفضائيات في تطوير أساليبها وحضورها في المنصات الافتراضية للظفر بجمهور يعد بالملايين ويتزايد كل يوم، بل إن غياب إحدى الفضائيات عن موقع فيسبوك أو تويتر يثير الاستغراب ويمثل استثناء. ومن مظاهر تأقلم التلفزيون مع النيوميديا أن توجد فيديوهات وأخبار ينشرها التلفزيون على صفحته في تويتر أو فيسبوك بطريقة معينة تتناسب مع سلوك مستخدمي تلك المواقع من سرعة في تمرير الشاشة والانتقال السريع من صفحة إلى أخرى.

كما أصبحت تغريدات الناشطين في تلك المواقع مادة إخبارية للتلفزيون يقوم بإعادة بثها على المباشر لجلب انتباه المستخدمين، كما تعتمد غرف الأخبار في تلك الفضائيات أحيانا على مقاطع مصورة تم بثها في إحدى صفحات فيسبوك أو تويتر وتعتمدها في نشراتها الإخبارية أو برامجها، بقطع النظر عن مدى صدقيتها من عدمه وهذا يخضع لتدقيق فريق العمل الإخباري.

وجاء في التقرير السنوي الذي أصدرته اللجنة العليا للتنسيق بين الفضائيات العربية أن مجموعة المرشدين العرب (Arab Advisors Group) كانت قد أصدرت دراسة تحلل حضور 34 فضائية عربية على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد توصلت الدراسة إلى أن حساب قناة بي بي سي ورلد قد حظي بأكبر عدد من المعجبين على فيسبوك وتويتر كما حظيت مجموعة إم بي سي بأكبر عدد من المشتركين في قناتها على يوتيوب. وبين تحليل مجموعة المرشدين العرب أن الفضائيات العربية قد استفادت من زيادة أعداد مستخدمي مواقع النيوميديا لترفيع عدد متابعيها، وقد دفع ذلك بعض التلفزات الفضائية إلى إضافة خدمة الدفق التلفزيوني أو TV Streaming كي تكون دائمة الحضور في الفضاء الافتراضي.

حدود “التلفزيوني” وتفوق “الافتراضي”

يمكن أن يكون للتلفزيون قدرة على احتواء تقنيات ومميزات وسائل الإعلام الجديدة والتأقلم معها، لكن تبقى لهذه القدرة حدود واضحة لا يمكن تجاوزها وهي حدود تتضح للمستثمرين والصحفيين والباحثين والمستخدمين يوما بعد يوم. فأغلب مستخدمي التلفاز اليوم أصبحت لهم حسابات على مواقع التواصل الافتراضي وهم أنفسهم من يضغط زر الإعجاب لصفحات الفضائيات التي يتابعونها، وبذلك يشهد الجمهور ظاهرة الانزياح من التلفاز الإعلام الجديد. ولا يتوقف أمر الانزياح فقط عند المشاهدين بل إن المعلنين أنفسهم أصبحوا يحبذون الاستثمار في وسائل التواصل الافتراضي على أن يستثمروا في إعلانات التلفزيون وهذا ما يهدد فعليا استمرارية التلفزيون وقدرته على الإنتاج.

وورد في التقرير السنوي للجنة العليا للتنسيق بين الفضائيات العربية أن شركة فيسبوك مثلا أعلنت عن إطلاق مجموعة جديدة من الخدمات الإعلانية يهدف معظمها إلى جذب المعلنين التلفزيونيين إلى الشبكة الاجتماعية التي تحظى بمتابعة 1.5 مليار مستخدم في العالم مستغلة نقطة قوة يتفوق بها فيسبوك على التلفزيون وهي تطبيقاته المنتشرة في الهواتف الذكية والمتحركة. هذه التطورات في قدرات المواقع الافتراضية تقابلها معاناة واضحة للكثير من الفضائيات العربية بسبب تراجع عوائد الإعلانات وقد ظهر ذلك بوضوح عندما قررت العديد من الفضائيات الاستغناء عن جزء من موظفيها أو تخفيض رواتهم أو الوصول إلى غلق الفضائية بشكل تام. كما أدت زيادة الفواصل الإعلانية أثناء عرض المسلسلات )إرضاء للمعلنين( إلى نتائج عكسية، حيث هجر المتابعون التلفزيون مفضلين مشاهدة تلك الأعمال الدرامية على يوتيوب للتخلص من الإعلانات الطويلة.

اتحاد إذاعات الدول العربية يتدخل

إزاء هذا التحدي الذي تمثله وسائل الإعلام الجديدة شكل اتحاد إذاعات الدول العربية لجنة متخصصة للإعلام الجديد والميديا الاجتماعية وذلك لمواكبة التطورات الحاصلة في مجال تكنولوجيا التواصل خاصة وأن التحدي أصبح متمثلا في عامل الزمن، إذ لا تتوقف هذه الآليات التواصلية الجديدة عن التطور بمرور الزمن. وقد قدم الاتحاد المستلزمات التقنية واللوجستية لهذه اللجنة التي بدأت عملها في منتصف سنة 2017 وأولى قرارتها كانت تأمين خدمة المينوس السحابية MENOS Cloud التي توفر فرصا هامة في مجال تبادل واستخدام المضامين الإخبارية الصادرة عن وسائط الميديا الاجتماعية وتحمل مزايا متعددة في دعم عمل اللجنة المتخصصة في الإعلام الجديد.

وسوم:

Share This