كيف ساهمت الميديا الجديدة في تكريس التنوع الثقافي بفلسطين؟

19 أبريل، 2019 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالإعلام الرقمي • المحرر(ة)

حقوق الصورة @CEIM

قديماً كانت مقاربة التبادل الثقافي تستعينُ بـ” وسائل اتصالية بطيئة” كتبادل زيارات شخصية وكتب ثقافية وأعمال فنيّة وتخاطبُ النخبّ منتظرةً مردودّ التثمير الثقافي على المدى البعيد. لكنّ انتشار الاتصال الرقمي أظهر دور منصات الميديا الجديدة في تطوّر طرق التفاعل الثقافي بين الأفراد، والتي أتاحت الفرصة أمام الأقليات للتعبير عن تراثها وهوياتها الثقافية في فلسطين.  وهو ما أكدته دراسة قدمناها في إطار أشغال الملتقى العلميّ الدولي السنويّ الذي نظمه معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتاريخ 5-4 أبريل   2019 بتونس، والتي جاءت تحت عنوان ” أيّة أدوار للميديا الجديدة في تكريس التنوع الثقافي الفلسطيني؟.

وسعت هذه الدراسة إلى النظر في مدى انعكاس واقع التنوع الثقافي في فلسطين بمضمون الصفحات الثقافية الفلسطينية  الموجودة بمنصات الميديا الجديدة. وقمنا برصد عينة من منصات الميديا الجديدة، وتم اختيار منصة الفيسبوك كونها المنصة الأكثر استخداما من قبل الجمهور الفلسطيني وفق تقرير المركز الإعلامي الفلسطيني الصادر بتاريخ 9 يناير 2019 .  وتمّ رصد منشورات: الأرمن والأقباط والبهائيين والتركمّان والجالية الإفريقية والجالية المغاربية والجماعة الأحمديّة “القاديانية” والدروز والدوم أو”الغجر” والسامريون والسريان والشركس والبشناق والمورانة.

ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة :

**كرست صفحات الميديا الاجتماعية المسيحية التنوع الثقافي من خلال المضامين التي تظهر التعايش مع المسلمين حيث نشر بالفايسبوك فيديو يؤكد بأن فتح باب كنيسة القيامة صباحا وإغلاقها مساء هو مهمّة توارثتها عائلتين مسلمتيّن منذ 830 عاماً بعد أن قرر السلطان العثماني آنذاك منح مفاتيح كنيسة القيامة لعائلة مسلمة بعد تقاتل الطوائف المسيحية على إدارة الكنيسة. وتقوم اليوم بهذه المهمّة عائلة الفلسطيني أديب جودة الحسيني. ويعتبر حمل عائلة مسلمة لمفاتيح أقدس كنيسة في العالم خير مثال على التسامح الديني بمدينة القدس.

**تعدّ منصات الميديا الجديدة إطارا جامعا رغم الثقافات المتنوعّة، فهناك قضية تجمع كل فلسطيني، وهي”العودة”، و” فلسطين التاريخية”، و” ثقافة المخيّم”. وهذا جزء مكوّن من الهوية الفلسطينية.

**بعض الحملات التّي يتمّ الإعلان عنها عبر صفحات الميديا الاجتماعية على غرار حملات التبرع بالدمّ للمصابين الفلسطينيين المدافعين عن اغلاق باب الرحمة يوم الجمعة 1 مارس 2019، بالمسجد الأقصى المبارك، هي تكريس للتمازج والتقارب بين عديد الطوائف والثقافات المختلفة داخل فلسطين نظراً لظروف الإحتلال التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

**برز التنوّع الثقافي بشكل جليّ في الأنشطة الرياضية التي أقيمت لغايات ثقافية من خلال تعزيز “الانتماء والهوية” لمواجهة كل أشكال الطمس والتهميش والتهويد للمعالم الفلسطينية كمارطون الركض الذي حمل شعار”القدس عربية فلسطينية”، عبر صفحة الفايسبوك “أنا فلسطيني”. وتمظهر دور الميديا في تفعيل وإشهار ذلك النشاط في المجتمع الفلسطيني بهدف الوصول إلى تجانس تامّ للثقافات رغم الاختلافات الثقافية بين المتسابقين المشاركين من خلال تفاعل النشطاء مع فيديو هذا المارطون وصوره.

ومن توصيات الدراسة أنّ المشروع الثقافي الفلسطيني يتطلب سياسة ثقافية داخل الوطن وخارجه، تتعامل مع مفردات الثقافة التي تتعدد وتتنوع، وتغطي كافة نواحي الحياة، بحيث يتم الربط بين الموروث الثقافي والتاريخي والحياة المعاصرة التي تفرض تغيراً ثقافياً مستمراً، فالثقافة ليست وراثية، وإنما يتم تعلمّها واكتسابها بما يضمن إعادة إنتاجها وتطويرها بشكل مستمر للتعامل مع الظروف المتغيرة بشكل متسارع. فلا أداة غير الثقافة تضمن تكيّف الإنسان مع الواقع، وتربطه بالهوية والتاريخ بسمّاته الثقافية المختلفة، لذا يتوجب إدراج مساقات التربية على احترام التنوع الثقافي في المناهج التعليمية الفلسطينية. ممّا يدفع وزارة الثقافة الفلسطينية إلى وضع سياسة ثقافية رقمية تعزز التنوع الثقافي الفلسطيني لاسيما وقد احتضنت الذاكرة الفلسطينية الثقافية والفكرية والدينية على امتداد سنواتها جيلاً بعد جيل واستطاعت صياغة تجاربها الإنسانية بثراءٍ رمزيّ عميق لانعكاس واقع شديد التمايزّ شديد التجانس بعيداً عن الخلاف. ففلسطين لا تتسع للخلاف بل تتسع للتنوع الثقافي والاختلاف.

وسوم:

Share This