غياب القانون والدقة يضع نتائج سبر الآراء في العالم العربي محلّ تساؤل

11 ديسمبر، 2016 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

أثناء استجواب أحد المواطنين

أثناء استجواب أحد المواطنين

يساهم سبر الآراء في معرفة توجه الرأي العام واهتماماته خاصة في المجال السياسي،  و رغم أنه معتمد في الدول الغربية منذ عقود طويلة فان العالم العربي حديث العهد باستطلاعات الرأي. مع تنامي التعددية السياسية واعتماد الانتخابات في التداول على السلطة عرفت استطلاعات الرأي اهتماما متزايدا وتطورا ملحوظا في العالم العربي لكنها مازالت تشكو من غياب الإطار القانوني والتشكيك مصداقيتها.

خطأ استطلاعات الرأي أكثر من مرة حتى في الدول الغربية، جعلها محل انتقادات وتشكيك خاصة في الفترة الأخيرة.

فقد أخطأت معاهد الاستطلاع الأوروبية والبريطانية في التكهن بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وحسب نتائج استطلاعات أجريت في بريطانيا وعدة دول أعضاء من الاتحاد الأوروبي،  كانت دائما ترجح بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد، لكن نتائج الاستفتاء الذي أعلن عنه في 24 جوان  2016 كذبت هذه التوقعات وبينت أن 51,9% مع الخروج من الاتحاد الأوروبي مقابل 48,1% من الأصوات لصالح البقاء.

وفي نفس السياق مثلت الانتخابات الأمريكية الأخيرة صدمة للعالم بأسره، ليس فقط بفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب لكن نظرا لأنها خالفت نتائج استطلاعات الرأي التي توقعت فوز مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، حيث أن هذه الاستطلاعات منحتها تقدما على منافسها حتى صباح يوم الانتخابات في 8 نوفمبر ب3.3 نقاط على المستوى الوطني حسب موقع “ريل كلير بوليتيكس المرجعي في الولايات المتحدة ” مع العلم أن كلينتون تقدمت على ترامب بمليوني صوت لكن هذا لا يشفع لمؤسسات سبر الآراء ولا يبرّر خطأها.

هذه أوضاع سبر الآراء في الدول الغربية، فما هو حالها في دول العالم العربي التي هي حديثة العهد في هذا المجال. اعتمادا على أمثلة آنية من عمليات سبر الآراء من المغرب والكويت وتونس يمكن أن نتبيّن مدى تطور استطلاعات الرأي في البلدان العربية.

عاشت المغرب في07 أكتوبر 2016 انتخابات برلمانية تصدّر فيها حزب العدالة والتنمية النتائج بحصوله على 125 مقعدا، وحل حزب الأصالة والمعاصرة ثانيا. و قبل انطلاق الحملة الانتخابية منعت وزارة الداخلية المغربية إجراء أو نشر أي استطلاع لنوايا التصويت في الانتخابات خلال الأسبوعين السابقين لموعد انطلاق الحملة، وإلى غاية يوم الاقتراع في السابع من أكتوبر 2016 وكل مخالف للمذكرة يتعرض لعقوبة تتمثل في السجن من شهر إلى سنة نافذة، وغرامة من 500 ألف درهم  ما يعادل (49 790,27دولار) إلى 100 ألف درهم ما يعادل(9 958,05 دولار).

وحسب بلاغ وزارة الداخلية المغربية فان سبب الحظر يعود إلى  غياب سياق تشريعي يقنن استطلاعات الرأي بشكل قانوني، ومراقبتها،وهو ما من شانه إن يؤثر على مصداقية عملية سبر الآراء وعلى حيادها وهو ما “يجعلها غير مضبوطة ومنحازة في كثير من الأحيان”.

لكن الغريب في الأمر أن بعض وسائل الإعلام نشرت استطلاعا للرأي ذو طابع سياسي بعد الحظر الذي أقرته وزارة الداخلية المغربية و منها الجريدة الالكترونية هيسبريس التي نشرت  استطلاعا بعنوان: “48,56% من قراء هسبريس يعتبرون الحصيلة الحكوميّة إيجابيّة”  والأغرب من هذا  أن الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية الحاكم أعاد  نشر الاستطلاع في نفس اليوم بعنوان (استطلاع رأي: 48 في المائة يعتبرون حصيلة حكومة ابن كيران إيجابية)

 

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الاستطلاع تم إجراؤه على الانترنيت دون بيان للمنهجية وللعينة المعتمدة.

في الكويت يختلف الأمر بالنسبة لإجراء استطلاعات الرأي في الفترة الانتخابية، وبمناسبة انتخابات مجلس الأمة و البلديات التي تم إجراؤها في 26  نوفمبر 2016 أصدرت وزارة الإعلام  قرارا ‏ينظم شروط التغطية الإعلامية والإعلان والترويج لانتخابات مجلسي الأمة والبلدية الذي نشرت وكالة الأنباء الكويتية نصه كاملا  http://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2541353&language=ar.

وحسب المادة السادسة من هذا القرار فانه “يجب على وسائل الإعلام الإلكترونية والمرئية والمسموعة والمقروءة عند نشر آو بث أو إعادة بث الإحصاءات واستطلاعات الرأي الالتزام بما يلي:

1- ذكر الجهة التي أجرته وطريقة وتاريخ ‏إجرائه ‏وعدد المشمولين بالاستطلاع ويجب أن تكون الإحصاءات والاستطلاعات صادرة عن شركة مرخص لها بممارسة هذا النشاط من الجهات الرسمية بالدولة.

2- عدم الإعلان عن الإحصاءات ونتائج استطلاعات الرأي في يوم الاقتراع واليوم السابق له.

3- عدم الإعلان عن نتائج الانتخابات أو معدلاتها ونسبها قبل الإعلان عنها من المصادر الرسمية”.

كما أصدرت وزارة الإعلام في الأول من نوفمبر 2016، قرارا بإلغاء الحصول على موافقة لإجراء استطلاع للرأي «يجوز للمواقع والوسائل الإعلامية الالكترونية المرخص لها إجراء استطلاعات الرأي في الموضوعات التي تعنى بالشأن العام، وذلك وفقا للشروط والضوابط التالية:

أولا: ألاّ تتعلّق بموضوعات من شأنها الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة أو التحريض على مخالفتهما أو ارتكاب الجرائم،

ثانيا: ألا تتضمن أيا من المحظورات المنصوص عليها قانونا،

ثالثا: أن تتصف بالموضوعية وتتم وفقا للأصول المهنية المتعارف عليها».

ومع أن الإطار القانوني في الكويت يعتبر أكثر مرونة إزاء استطلاعات الرأي، إذ يكتفي بمنع نشر النتائج في فترة الصمت الانتخابي و التي حددت بيوم واحد قبل الانتخابات إلا انه لم تنشر نتائج لاستطلاعات رأي الناخبين من قبل معاهد مختصة أو حتى من قبل

مجلس الأمة الكويتي الذي يجري استبيانات للمواطنين تنشر نتائجها على موقعه الخاص، وكان أخر هذه الاستبيانات سنة 2014 حول “رأي المواطنين من موظفي الدولة في توحيد سلم الرواتب ومكافأة نهاية الخدمة”.

في تونس يعتبر الأمر مختلفا فبعد ثورة 14 جانفي/يناير 2011 تغير وضع مؤسسات الاستطلاع  التي  كانت مختصة في مجال الإعلام أو المجال الاجتماعي لكن مثلت انتخابات أكتوبر 2011 فرصة لمؤسسات استطلاع الرأي للعمل في المجال السياسي من خلال استكشاف نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية الأولى بعد الثورة.

وتوقعت أهم ثلاث مؤسسات سبر الآراء في تونس وهي سيغما كونساي، وشركة 3س، وشركة أمرود، تقدم الحزب الديمقراطي التقدمي على بقية الأحزاب في نوايا التصويت، لكن نتائج الانتخابات كانت مخالفة لهذه التوقعات، فالتقدم كان لحركة النهضة الإسلامية ثم المؤتمر من أجل الجمهورية في المركز الثاني وقوائم العريضة الشعبية في المركز الثالث، أما الحزب الديمقراطي التقدمي فلم يحظى إلا بالمرتبة الخامسة بعد حصوله على 3.6% فقط.

نتائج انتخابات 2011 كانت إذا مخالفة لنتائج سبر الآراء و هامش الخطأ في نتائجها كان أحيانا يتجاوز 80%. وهو ما يفسر سعي مؤسسات سبر الآراء إلى التدارك في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014 التي كانت نتائجها قريبة من التوقعات خاصة في الدور الثاني مع اختلاف طفيف في النسب.

وكانت النتائج النهائية ب 55.68% للباجي قائد السبسي مقابل 44.31% لمنصف المرزوقي

وجاءت توقعات مؤسسات الاستطلاع الثلاث المذكورة بالنسبة للدور الثاني متقاربة:

– سيغما كونساي أعطت 55.5% للسبسي، مقابل 44.5% للمرزوقي

– شركة 3س أكدت حصول السبسي على 53.8 %، و المرزوقي على 46.2%

– شركة أمرود بين حصول السبسي على 52.8%، والمرزوقي على 47.2%

وبذلك تكون استطلاعات الرأي السياسية في تونس قد تداركت أخطاءها في فترة وجيزة وتمكنت من تقديم توقعات لا يتجاوز هامش خطأ فيها 3%.

كما أن عمل هذه المؤسسات أصبح لا يقتصر على فترة الانتخابات فقط بل بصفة دورية إذ تصدر مؤسسات استطلاع الرأي في تونس نهاية كل شهر تقارير عن نوايا التصويت و مدى شعبية الوجوه السياسية ،ويصدر هذا البارومتر السياسي عن مؤسسة سيغما كونساي و معهد امرود كنسلتنغ لاستطلاع الرأي.

ومع تطور هذه العملية تسعى السلطة التونسية إلى تنظيم القطاع من خلال تقديم مقترح مشروع قانون لتنظيم سبر الآراء وعملها هو الآن معروض على مجلس نواب الشعب.

قد يكون الهدف من إجراء استطلاع الرأي هو السعي لمعرفة آراء و توجهات المواطنين حول عدة مواضيع آنية أو توجهات سياسية خاصة قبل المناسبات الانتخابية فاغلب الأحزاب تسعى لمعرفة وزنها الانتخابي للإعداد لاستراتيجياتها السياسية لكن بالنسبة للعالم العربي ما تزال استطلاعات الرأي بعيدة نوعا ما عن هذه الأهداف إذ يبقى استطلاع الرأي سلوكا تحكمه المصالح الشخصية و المالية التي قد تنشأ معاهد لسبر الآراء تقدم نتائج حسب الطلب وبعيدة عن المهنية و الموضوعية في ظل غياب قانون يقنن هذا القطاع و يحميه من التوظيف، لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار أن تقارير استطلاعات الرأي مؤشر يأخذ بعين الاعتبار دون أن يثق به ثقة تامة.

 

حقوق الصورة @موقع marichesse

وسوم:

Share This