تقرير ”معهد ليغاتوم“: كيف نجعل التثبّت من الحقائق أكثر جدوى في مواجهة التضليل؟

20 أكتوبر، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالإعلام الرقميالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @Legatum institue

لم تتح وسائل الإعلام الحديثة وثورة المعلومات التي يشهدها قطاع الإعلام إمكانية الوصول إلى المعلومات فحسب، لكن سمحت في الوقت نفسه بانتعاش ظاهرة قلب الحقائق وتشويه المادة الإعلامية. وهو وضع اعتبره المنتدى الاقتصادي العالمي من أكثر المشاكل إلحاحا في العالم اليوم. ومن هنا برز ما يسمى (Fact-checking) أي التثبت من صحة الوقائع بوصفه الوسيلة الأكثر تداولا لمكافحة هذا المدّ المتنامي لظاهرة التلاعب بالحقائق.

وحول هذا الموضوع، أصدر معهد ليغاتوم Legatum Institute تقريرا بعنوان ”الحقائق التي يمكن تصديقها: كيفية التدقيق في الوقائع بشكل أفضل“، وقد تضمّن أهمّ الوسائل التي تتيح مواجهة هذه الآفة الجديدة الماثلة أمامنا.

تولى صياغة هذا التقرير فريق عمل اشتغل على موضوع الدعاية صلب مجموعة تعرف ب ”منتدى التحولات“ من معهد ليغاتوم، وهو هيكل يعنى بالبحوث على المستوى الدولي، ويختصّ بدراسة عناصر تتصل بفهم ظواهر النقلة الملحوظة من الفقر إلى الازدهار للأفراد والمجتمعات والأمم، وهي دراسات تشمل الغوص في عمق تلك الظواهر وقياس مداها.

وقصد المضي قدما، يحتاج من يطلق عليهم اصطلاحا ”محققي الوقائع“ والجهات المموّلة لهم، إلى أن يدقّقوا في الوقائع وفي أخبار المؤسسات الصحفية: وتوجد حاليا عملية مراقبة الأحداث وغربلتها ضمن مسار بحثي، حيث يتابعه من يرى أنّ أولويات مصالحه التبّت في صدقية تلك الوقائع ويتعيّن تشريك المدققين في البرامج الحوارية المتعلقة بالأحداث الآنية. وهو مسار بامكانه أن ييسّر التثبّت في صحة زخم المعلومات والوقائع المتلاحقة.

وفقا للتقرير، فإن مؤسسات تطوير أداء وسائل الإعلام والمانحين، والهيئات الدولية المعنيّة بالبثّ الإذاعي والتلفزي مثل ”BBG“ و”BBC Media Action“ و”World Service“ التي بإمكانها إنتاج وتمويل برامج تدمج فيها وظيفة التدقيق. ومن شأن تامين حضور فاعل ودائم للمدقيقين في البرامج الإذاعية والتلفزية في الولايات المتحدة وبريطانيا أن يحدّ من أكاذيب السياسيين.

ويقترح التقرير حلا آخر يتمثل في فهم واختراق ”غرف الصدى“: وسائل التواصل الاجتماعي وخوارزميات محركات البحث مكنت مستخدميها من اختيار ”الحقائق“ التي يرغبون في مشاهدتها أو الاستماع إليها. والاصداع بالحقيقة يولد بكل بساطة رجع صدى مضاد للأفكار المسبقة، وينبغي أن تكون غرف الصدى بدلا من ذلك محل تحليل واستساغة.

ويذهب التقرير إلى القول أيضا إنه من الواجب أن يتم التعرف على أهم المؤثرين في صياغة الرأي العام، وبإمكان المتثبتين من صدقية الوقائع أن تكون تعهداتهم أفضل حال تجاه الجمهور المستهدف في العملية الاتصالية، وينبغي على هذه المقاربة المرتكزة على المتلقي أن توفر إشعار هيئات مراقبة صدقية الوقائع بشكل عام، باعتبارها أمرا ملحا خاصة بالنسبة إلى غرف الصدى التي تشكل صمام الأمان ضد أي اخلالات قد تكتنف دفق المعلومات التي تغلب عليها الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة.

ومن ضمن التقنيات الأخرى التي اقترحها التقرير ما يتعلق منها بتعميم عمليات التحقّق من الوقائع: بعض تكنولوجيات التحقق الأكثر تقدما طورها خبراء في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة: انطلاقا من إشعارات الوقائع التي تمّ التثبّت منها والقابلة للتعميم بشكل أيسر، من خلال التطبيقات التي تتيح بشكل آلي رصد المعلومات على الانترنت وربطها بمطالب مماثلة وقع التحقق منها في وقت سابق.

ويمكن لهذه الابتكارات أن تساعد مراجعي الحسابات على نشر عملهم على نطاق أوسع وبسرعة أكبر. كما يمكن أن تساعد هذه التطبيقات على الحدّ من تكاليف مباشرة مبادرات جديدة في عدد من الدول مثل أوكرانيا حيث تنتشر المعلومات الخاطئة على نطاق واسع.

كما أنّ تشجيع التربية والتشريع يمكن أن يمثّل حلا لظاهرة قلب الحقائق: يجب هنا اعتبار أنّ التحقق من الوقائع يندرج في نطاق أوسع لتحسين الخطاب العام القائم على الأدلة، من أجل مساعدة جيل جديد بإمكانه التكيف مع ما تقتضيه استخدامات وسائل الإعلام الجديدة، ولعل إرساء هيئة تعنى بضبط معايير الحملات السياسية من الناحية الترتيبية ييسّر حلذ مشكلة الإفلات من العقاب لعدد من السياسيين الذين يتعمدون نشر أخبار زائفة.

وكحلّ من الحلول التي يقترحها التقرير يمكن إنشاء ”هيئة الشفافية الدولية في مجال مكافحة الأخبار الزائفة“، إذ أنّ التضليل هو أحد أكبر التحديات في العالم اليوم. وتوجد ضمن المنظمات غير الحكومية المتخصصة في هذا الموضوع، منظمات تلعب دور مكافحة التضليل مثل ”منظّمة الشفافيّة الدولية“ و”هيومن رايتس ووتش“ المدافعة عن حقوق الإنسان.

إن التثبت من الحقائق لا ينبغي أن يكون مجرد ردة فعل، بل يجب أن يكون مدرجا في إطار هدف أشمل يرمي إلى تحميل عموم الناس المسؤولية للمشاركة في حلقات النقاش العام الذي ينتظم في المجال، ولئن ارتبطت السلطة ارتباطا عضويا ووثيقا بالمعارف فان المدققين في صدقية المعلومات يوفّرون لمن يشعر بالعجز، سلطة تقديرية من خلال سهرهم على ألاّ يكون الاطّلاع على المعلومة الدقيقة والحقيقية في متناول الجميع فحسب بل أن يكون هذا الأمر السمة البارزة في الخطاب السياسي بشكل عام.

ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد نشر سابقا بالموقع الفرنسي للمرصد العربي للصحافة وترجم من قبل وداد حمدي.

 

وسوم:

Share This