الثورات العربية في قناتي “الجزيرة” و”الميادين”: تغطية نضالية أم خطاب دعائي

19 أبريل، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعاقتصاد الإعلامالأخلاقيات والجودةالإعلام والسياسةالصحافة المتخصصةحرية الصحافة • المحرر(ة)

باقة من القنوات العربيّة

باقة من القنوات العربيّة

أحدثت التغيرات السياسية في العالم العربي منذ 2011 أو ما اصطلح على تسميته بـ “الربيع العربي” تفعيل أشكال جديدة من الصحافة ساهمت في الارتداد نحو مفاهيم كلاسيكيّة للإعلام مثل الإعلام النضالي أو الأعلام التابع.

وهو ما تناوله الباحث الفرنسي نيكولا دوت بويار (Nicolas Dot-Pouillard) الباحث في علم الاجتماع والتاريخ السياسي للشرق الأوسط في دراسة عنوانها: الجزيرة والميادين: إعادة إحياء لصحافة نضالية؟ نشرها مركز جاك بيرك (Jaques- Berque) للدراسات تتمثل في مقارنة بين قناتي “الجزيرة” و”الميادين” في محاولة للإجابة عن تساؤل مركزي وضعه الباحث حول مدى إعادة هاتين القناتين التلفزيونيتين إحياء مفهوم الصحافة المناضلة؟

المُسلَّمة الأولى التي بدأ بها نيكولا دوت بويار هي أن قناة “الجزيرة” وقناة “الميادين” ليستا فقط قناتان إعلاميتان إخباريتان، بل إن غرف الأخبار في كلتا القناتين تعتبران غرفا لإنتاج المعنى حول الأحداث التي تأتي في سياق “الربيع العربي”، كل حسب توجهه العام والسياسة التي يتبعها، ليس فقط السياسة التحريرية بل السياسة العامة التي تتعلق بمنظومات إستراتيجية للدول الداعمة والأطراف المتدخلة في صناعة الدفق الاتصالي.

في البداية يعتبر الباحث  أن قناة “الميادين” هي ابنة قناة “الجزيرة”، ويؤكد ذلك من خلال قراءة جدلية بين طبيعة الصحفيين الموجودين في “الميادين” وهم أبناء الجزيرة في السابق وبين المرجعية العامة للخطاب الإعلامي “للميادين” حاليا و”الجزيرة” في بدايات بثها وهي مرجعية الخطاب النيو ـ عالم ثالثي (néo-tiers-mondiste). فالصحفيون العاملون في قناة “الميادين” وأبرزهم المؤسس غسان بن جدو إضافة إلى لينا زهر الدين وعلي هاشم كانوا قد واكبوا تأسيس قناة “الجزيرة” التي كانت تمثل لهم أكثر من مجرد قناة إعلامّية ضخمة بل إطارا للعمل وفق القناعات السياسية التي يتبنونها وبالأخص التونسي غسان بن جدو الذي كان معارضا لنظام بن علي.

الخطاب النيو ـ عالم ثالثي، هو إطار يمثل مرجعية التقاء وتشابه بين القناتين: “الميادين” حاليا و”الجزيرة” قبل الثورات العربية. فالخطاب النيو ـ عالم ثالثي يرتكز في عمقه حسب بويار إلى روح الصراع بين القطبين الشرقي والغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وصولا إلى انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1990. وقد استعملته “الجزيرة” في بداياتها (1996) كي تضع نفسها ضمن محور عام معاد للهيمنة الغربية ويميل إلى معاداة إسرائيل، حتى إذا جاءت الثورات العربية تحول هذا الخطاب ليصبح خطابا ديمقراطيا راديكاليا ينادي بإسقاط الأنظمة التي تشهد ثورات ضدها وذلك ضمن سياسة عامة تحريرية جديدة تخضع أيضا لإملاءات وزارة الخارجية القطرية والتي سيأتي نيكولا ـ دوت بويار بعد ذلك لتفسيرها أكثر.

أما بالنسبة لقناة “الميادين”، التي تأسست سنة 2012، فإن الخطاب النيو ـ عالم ثالثي يمثل الإطار الأمثل كي يكون غطاء للموقف المعادي للثورة في سوريا بالأساس. والمفارقة تكمن في أن هذا الإطار هو نفسه الذي يبرر الخطاب الداعم لثورات أخرى في العالم العربي مثل الثورتين التونسية والمصرية. وقد تجلى هذا الخطاب بشكل خاص من خلال طبيعة المواضيع وشخصيات الضيوف والأنظمة التي تبرزها قناة الميادين، وقد ظهر ذلك مثلا مع البث المباشر للقاء مع الزعيم الكوبي فيدال كاسترو في عيد ميلاده التاسع والثمانين وأيضا في الربط المباشر المشترك مع التلفزيون الفنزويلي TELESUR القريب من حزب هوغو شافيز الزعيم الفنزويلي الاشتراكي الذي بثت الميادين فلما وثائقيا عن حياته سنة 2013.

لئن كانت قناة الميادين مرتبطة ارتباطا مباشرا بالنظامين الإيراني والسوري بشكل واضح، فإنّ قناة الجزيرة القطرية حسب الباحث تخضع لتنافس ثلاثة محاور سياسية كبرى على توجيه خطها مضامينها وهي وزارة الخارجية القطرية (حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني) والشيخة موزة وموظفون سابقون في المخابرات القطرية بقيادة الشيخ حمد بن ثامر. وبالنسبة لقناة “الميادين” فهي تتغذى من شبكة دعم تغذيها ابتداء من المحيط القريب في الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله فرجال أعمال مقربون من النظام السوري مثل رامي مخلوف المقرّب عائليا من بشار الأسد وإيران التي تركز سلطة إدارة كل تلك الشبكات في طهران.

ثم يذهب Dot-Pouillard إلى أنّ قناتي  “الجزيرة” و”الميادين” ووفق هذه المحورية المتناقضة في الرؤية بين كل من قطر وإيران خاصة حول الأحداث في سوريا، هما قناتان لهما تأويلان مختلفان لـ”لربيع العربي” بشكل واضح. فالجزيرة ومنذ اندلاع الأحداث في تونس أخذت موقفا داعما للتحركات خاصة وأنّ الصحفي الميداني الذي يراسل القناة وهو لطفي حجي له تاريخ سياسي في تونس وله موقف من النظام السابق الذي كان معارضا له ضمن تشكيلات اليسار الإسلامي (أو الإسلاميين التقدميين). وتواصل قناة “الجزيرة” إلى الآن دعمها العلني للتحركات في دول “الربيع العربي” من وجهة نظر قريبة من الإسلاميين، أمّا قناة “الميادين”، فهي تدعم الحراك في الثوري تونس لكنّها تعاديه في سوريا وتقف مع الحوثيين في اليمن وتحاول الموازنة في تغطيتها للحرام في مصر.

ويستنتج Nicolas Dot-Pouillard في آخر دراسته أن “الجزيرة” و”الميادين” حتّى وإن كانتا قناتان تشاركان في صناعة المعنى السياسي إلاّ أنّ المضامين الإعلامية للقناتين لا تمثل إعلاما نضاليا بالمعنى التقليدي بقدر ما تمثل تسويقا لسياسات وإستراتيجيات خاصة بدولة أو بتكتل دول وبالتالي يصبح الإعلام في هذه الحالة أداة عمل سياسية ودعائية في خدمة صناع القرار.

حقوق الصورة @sweeden

وسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share This