التقرير الثالث لـ لليونسكو حول “الاتجاهات العالمية في مادة حريات التعبير وتطوير وسائل الاتصال”: الطموحات والحدود

24 سبتمبر، 2018 • آخر المقالاتأبرز المواضيعاقتصاد الإعلامالأخلاقيات والجودةالإعلام والسياسةحرية الصحافةملفات • المحرر(ة)

تم مؤخرا نشر تقرير منظمة اليونسكو بعنوان “الاتجاهات العالمية في مادة حريات التعبير وتطوير وسائل الاتصال”، الذي جاء في مائتي صفحة ويفترض أن يهدف إلى تعريف وتفسير التغييرات التي تمت ملاحظتها في السنوات الخمس الأخيرة، غير أنه يتبين عند قراءة هذا التقرير أن هذه الطموحات الكبيرة انتهت إلى نتائج متواضعة.

لنذكر هنا، بمناسبة الدورة السادسة والثلاثين للندوة العامة في نوفمبر 2011، قامت الدول العضوة بتكليف اليونسكو بفحص تأثيرات الثورة الرقمية على حرية التعبير وأمن الصحفيين، فكان التقرير الذي صدر في 2014 وتبنى المحاور الأربعة لإعلان ويندهوك لعام 1991، وهي حرية الإعلام وتعدّديته واستقلاليته وسلامة الصحفيين، أما المساواة بين الجنسين فقد تم اعتبارها عنصرا مشتركا.

إن هذه القراءة النقدية المستوحاة من تقرير 2018 تعتبر نفسها متواضعة، هي أصلا لا تهدف إلى إنجاز تحليل محتوى معمق، إنما إلى توجيه بعض الملاحظات والأسئلة التي نرجو أن تكون شهادة على الاهتمام الذي يوليه المؤلف لهذه الوثيقة المرجعية.

سوف تهتم ملاحظاتنا بالتقديم المادي للتقرير، قبل أن نطرح بعض الأفكار حول مؤلفيه ثم حول الإطار المفاهيمي حول مؤتمر ويندهوك لسنة 1991.

ووفاء للتقليد الأكاديمي، سوف نبدأ بالملاحظات الشكلية، انطلاقا من النسخة الفرنسية لهذا التقرير، التي وزعتها اليونسكو بمناسبة تقديم التقرير يوم 26 جوان 2018 في تونس. وسوف تقتصر هذه الملاحظات على تحديد الهفوات ونقص الدقة، وهو المجال التي تصرف فيه فني التصميم بشيء من الحرية، رغم أهمية الدقة في مثل هذه الوثائق، أمثلة:

المدة المكتوبة على الغلاف غير صحيحة، حيث كتب “التقرير الدولي 2017-2018” والحال أن هذه المدة التي يغطيها التقرير هي من 2012 إلى 2017، كما تؤكده المقدمة بإمضاء المديرة العامة لليونسكو السيدة أودري أزولاي.

رصيد الصور: أرقام الصفحات المذكورة في الصفحة الثانية من الغلاف لكل الصور خاطئة دون استثناء.

في الصفحة رقم 30، يفاجأ القارئ بعنوانين، أقل ما يقال فيهما هو التضارب: “مقدمة” كعنوان فرعي ثم “خاتمة”.

لكن هذا لا يمنعنا في الأثناء بأن نشيد بالجودة الفنية لهذه الوثيقة التي تراوح بمتعة بين النص والصورة والتقديم الفني للمعطيات بما يجعل قراءتها  ممتعة في النهاية.

أما فيما يتعلق بمؤلفي التقرير الذين تم تقديمهم في باب “طاقم التحرير”، فقد فوجئنا بغلبة الباحثين من”دول الشمال” التي ينتسب إليها 9 من جملة 14 خبيرا. لقد اختار  ورغم قرار الحكومة الأمريكية بمغادرة اليونسكو وحرمانها من أهم مساهمة مالية ، فإن مواطنيها يظلون يحظون بتمثيلية عالية بلغت 5 باحثين من جملة 9 من دول الشمال. أما إفريقيا، فهي ممثلة بثلاث باحثين كلهم، يا للغرابة، من دولة جنوب إفريقيا، ولم تحظ الدول العربية بأي تمثيل في فريق الباحثين، لكن مصريا واحدا يظهر في مجلس التحرير الاستشاري الذي يتكون من 20 عضوا.

إن تقريرا يراد له أن يكون دوليا، يجعلنا ننتظر توازنا أكثر في تمثيل الانتماء الدولي للباحثين، وهو تراجع مؤسف مقارنة بالمجموعة الاستشارية التي ساهمت في إنجاز تقرير 2014 الذي كان في هذا المجال أكثر توازنا في تمثيل أصول الباحثين.

ومن جهة أخرى، فقد تبنّت اليونسكو بالكامل محتوى تقرير 2014، لكنها اختارت أن تنأى بحذر عن تقرير 2018 بتنبيه القارئ منذ الصفحة الثانية للغلاف إلى أن “الأفكار والآراء الواردة في هذا العمل هي للمؤلفين ولا تعبر بالضرورة عن وجهات نظر اليونسكو…”

 

إعلان ويندهوك: محيّن أم تجاوزته الأحداث ؟

 

إن النشرة الأخيرة من تقرير “الاتجاهات العالمية” تستمر في التمسك بالإطار الذي حدده إعلان ويندهوك في ماي 1991 الذي عرّف الأعمدة الأربعة التي تتأسس عليها حرية الصحافة وهي: الحرية والتعددية والاستقلال وسلامة الصحفيين.

وبعبارة أخرى، فإن الخبراء الذين عينتهم اليونسكو يستمرون في الاعتماد على التصنيف المعياري الذي تم تطويره قبل عصر الانترنيت، وهو تصنيف فقد الكثير من وجاهته اليوم. وبالفعل، ففي العقود الأخيرة، أدخلت شبكة الأنترنيت ومنصّات شبكات التواصل الاجتماعي تغييرات كبيرة في طرق نفاذنا إلى المعلومات والمعطيات وفي إنتاجها وتلقيها. وفيما استحدثت شبكات تحليل جديدة تعمل وتتطور مع البيئة الرقمية، تستمر اليونسكو في التشبث بالمحافظة على منصّة ويندهوك التي تعود إلى عام 1991، أي قبل ظهور العالم الرقمي المتشابك عبر الانترنيت.

ومن البديهي أنه لا يمكن التشكيك في القيم الفلسفية لإعلان ويندهوك، تماما كما قيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 1948، لكن العناصر المكونة لحريات التعبير والصحافة اليوم لم تعد هي عناصر عام 1991. وفي مادة حريات التعبير والصحافة، تعتبر إفرازات العالم الرقمي لما بعد إعلان ويندهوك كثيرة ومتعددة.

بداية، وفي مستوى تعريف حرية الإعلام والصحافة، يستمر تقرير اليونسكو في اعتبارها مجرد امتداد مشتق من حقوق الإنسان الأساسية أي حرية التعبير في حين ظهر تغيير في النموذج المفاهيمي في العقدين الأخيرين، وأصبح حق الجمهور في الإعلام في قلب المهام المنوطة بالصحافة، وفي الأثناء، عززت الأمم المتحدة حق الحصول على المعلومات بصفته حقا مستجدا من حقوق الإنسان، وهذا بفضل جهود اليونسكو.

ومن جهة أخرى، فإن الصحافة بصيغتها التقليدية، تفقد كل يوم المزيد من احتكارها لوسائل الإعلام والتعبير لفائدة وسائط جديدة اجتماعية رقمية، وتفقد تمثيلها “للتعبير المواطني المباشر”على هذه الشبكات. رغم ذلك يستمر تقرير اليونسكو حول “تحديد الاتجاهات العالمية” لعام 2014 في اعتبار “أن الصحافة تمثّل ممارسة شعبية لحرية التعبير مطابقة للمواصفات المهنية”، وهو توصيف يترك مساحة صغيرة لواجب الصحافة الإعلامي باعتبارها أداة في خدمة حق المواطن في  الإعلام.

لقد انتبهت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى هذا التطور في المفهوم واعتبرت منذ 2011 أن الصحافة “وظيفة يمارسها أشخاص من كل الآفاق ومنها خصوصا […]المدوّنون وأشخاص آخرون ينشرون بأنفسهم منتوج أعمالهم في شكل مطبوعات أو على شبكة الانترنيت أو بأية طريقة أخرى…”.

غير أننا نتفق على أن الصحافة تستمر في اعتبار نفسها بعدا مهنيا تقليديا وأن الفاعلين الجدد في صحافة المواطنة ما يزالون في نظر منظمات الصحافة دخلاء، أحيانا محتالين أكثر منهم حلفاء أو معززين لها، ثم إن الفيدرالية الدولية للصحافيين (FIJ) لا تسلم بطاقات صحافة دولية إلا للصحفيين المنخرطين فعلا في منظمات نقابية وطنية.

وفي خلاصة هذه الأسئلة المستوحاة من تقرير اليونسكو حول الاتجاهات الدولية لعام 2018، يمكن للقارئ أن يأسف لغياب بعض الأبعاد الحالية المرتبطة بممارسة حريات التعبير والصحافة، مثل غياب حق النفاذ إلى المعلومة بصفته مكوّنا مستقلا وليس مجرد عنصر في حرية وسائل الإعلام. كان يمكن أيضا أن يطور التقرير أكثر محاور أخلاقيات المهنة ومفاهيم المسؤولية الاجتماعية في وسائل الإعلام والتربية على وسائل الإعلام والاتصال، في الوقت الذي حققت اثنتان أو ثلاث منصات تواصل اجتماعي تأثيرا غير محدود لكن دون أية منظومة تعديل فعالة. ألم يحن الأوان لتحقيق بعض القطيعة مع الإطار المفاهيمي لإعلان ويندهوك ؟ لنذكر أن هذا الإعلان قد حقق في زمنه قطيعة مماثلة مع برنامج “النظام العالمي الجديد للإعلام والاتصال” (NOMIC) الذي تبنّاه وقتها الاتحاد السوفياتي وحلفاؤه من الحلف الاشتراكي وبلدان العالم الثالث.

لقد انتظم مؤتمر ويندهوك عام 1991، غداة سقوط جدار برلين ومعه “الديموقراطيات الشعبية” في أوروبا الشرقية، وكان ذلك المؤتمر يمثل انتصار “الديموقراطية الليبيرالية” وحتى “نهاية التاريخ” العزيزة على الفيلسوف “هنتنغتون”. أما في 2018، فإن التحديات الجديدة للعولمة ورقمنة الشبكات تدفعنا إلى مراجعة الأعمدة الأربعة لحريات التعبير والصحافة كما تم إقرارها في 1991، وهذه مهمة اليونسكو، وفقا للتفويض التي أسند إليها من الأمم المتحدة.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالنسخة الفرنسية للمرصد العربي للصحافة وترجم من قبل كمال الشارني

 

وسوم:

Share This