التعديل المستقل للإعلام السمعي البصري التونسي: لماذا لا يرغبون فيه؟

13 مايو، 2019 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالإعلام والسياسةالرقابةحرية الصحافة • المحرر(ة)

حفوق الصورة @NESMA TV

هل يصبح قرار الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) بحجز معدات البث لقناة نسمة يوم 15 أفريل نقطة تحول في الحوكمة العمومية للإعلام السمعي البصري في تونس؟ هل تضع عملية المداهمة الأمنية المثيرة يوم 25 أفريل لمقر القناة تطبيقا لقرار الهايكا نهاية لحالة الإفلات من المساءلة التي تمتّعت بها هذه القناة منذ 2011؟ لا شيء يؤكد ذلك حتى الآن.

غداة انهيار نظام بن علي الاستبدادي في 2011، اختارت تونس أفقا شديد الطموح إلى الديموقراطية في مادة حريات التعبير والصحافة وذلك بتبني المواصفات الدولية المعمول بها  في الديموقراطيات الليبرالية، وتجسمت هذه الإرادة بإنشاء هيئة تعديل الإعلام السمعي البصري، المعروفة اختصارا باسم الهايكا، والتي كانت ولا تزال الأكثر استقلالية في العالم العربي. لكن المفارقة أن هذه الهيئة أصبحت اليوم هدفا للنيران المتضافرة في البرامج المستمرة لقناة “نسمة تي في”، وحتى من نيران فاعلين عموميين وجزءا من الرأي العام نفسه أصبح يعترض على وقف بث هذه القناة التي نصّبت نفسها في الأعوام الأخيرة “قناة العائلة”.

ورغم أن المشهد السمعي البصري التونسي ثري بثلاث عشرة قناة تلفزية خاصة تحظى كلها بإجازة البث من الهيئة وفقا للإجراءات الجاري بها العمل، فإن قناة نسمة تحوز المرتبة الأولى في نسب المشاهدة، وهذا عائد إلى المسلسلات المترجمة التي تبثها في أوقات الذروة.

لا شك أن تعليق البث قبل أسبوع من شهر رمضان يربك قناة نسمة التي أعلن صاحبها  أنها تشغّل 400 موظف منهم 30 صحفيا (أرقام عام 2018)، ذلك أن شهر رمضان يسمح عادة للقنوات التلفزية بتحقيق أهم مواردها المالية السنوية من الإشهار، غير أن التذرع بالوضعية الاجتماعية للقناة غير مقبول حين يأتي من مالك المؤسسة الذي تعمّد إهمال إصلاح الوضع القانوني لمؤسسته.

لكن، ماذا تطلب الهايكا من هذه القناة حتى يصل الأمر إلى حد حجز معدات البث؟ الجواب بكل بساطة هو الآتي: تحويل الصفة القانونية للشركة المالكة للقناة من “شركة ذات مسؤولية محدودة” إلى “شركة خفية الاسم”، كما ينص على ذلك  كراس الشروط الذي أصدرته الهيئة العليا منذ  مارس 2014.

وبعد خمسة أعوام، و عشرات من عمليات التذكير ومن الإجراءات القانونية في ملف قناة نسمة، انتهت الهيئة العليا إلى فقدان صبرها وقررت تطبيق العقوبات التي أجلتها أكثر من مرة.

وبقطع النظر عن التفاصيل الشكلية، فإن “قضية قناة نسمة”، كما نسميها اليوم، أصبحت تتخذ أبعاد اختبار حقيقي للهايكا في تونس، ذلك أن الرهان ليس إلا تثبيت وتأكيد أحد أهم مكاسب ثورة 2011، أي فصل الإعلام السمعي البصري عن السلطة والقطع مع تدجين القنوات التلفزية من قبل السلطات العمومية.

هل تقدر تونس على الحفاظ على هذه المكتسبات الثمينة، التي كانت ثمرة عقود من نضال وتضحيات عدة أجيال من المهنيين ومناضلي حقوق الإنسان؟

منذ سقوط الديكتاتورية في 2011، تبدي الطبقات السياسية، بما فيها الأحزاب، نوعا من التواطؤ مع القنوات الخاصة، يكشف عن العلاقات الغامضة التي تمت إقامتها بين السياسيين وهذه القنوات، خصوصا تلك التي أحدثت تحت نظام الرئيس المخلوع بن علي.

وبالفعل، فعوض أن تلقى قرارات الهايكا الدعم والمساندة من أجل تطبيق القانون ووضع حد للوضعية غير القانونية التي يستفيد منها نبيل القروي، مالك  قناة نسمة، فإن عدة فاعلين عموميين في تونس اختاروا المسارعة لنجدة القناة المارقة، وهكذا، تحولت في نظرهم قناة نسمة من مذنبة إلى ضحية لهرسلة وهمية من الهيئة التعديلية.

أول طرف سارع إلى رد الفعل على قرار الهايكا هي “حركة النهضة” الإسلامية، التي نظمت اجتماع أزمة لمكتبها التنفيذي في اليوم الموالي لعملية المداهمة الأمنية ضد قناة نسمة، وطالب البيان الصادر عن هذا الاجتماع بمراجعة قرار حجز المعدات وفض الخلاف مع القناة بالحوار، ثم تجاوز ذلك إلى إدانة موقف النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين الذي حمّل    مسؤولية إيقاف بث القناة لمالكها نبيل القروي.

ومن جهته، استقبل الباجي قايد السبسي، رئيس الجمهورية، يوم 29 أفريل نبيل القروي، ورغم أن بيان رئاسة الجمهورية اتسم بالتوازن و بالتأكيد على أهمية الدور التعديلي للهايكا ، فإن الاجتماع بالرئيس وتغطيته إعلاميا منح نبيل القروي دعما قويا في معركة لي الذراع مع الهيئة.

وفي تصريح لقناة نسمة، رفض سامي الطاهري المكلف بالإعلام في الإتحاد العام التونسي للشغل المركزية النقابية المرهوبة الجانب، العقوبات ضد القناة وذلك باسم حرية الصحافة. أما سامي الفهري، مالك القناة المنافسة “الحوار التونسي”، فقد وضع خلافاته مع نبيل القروي جانبا وأكد: “سأقاتل بكل قواي ضد إغلاق أي وسيلة إعلام: نسمة أو قناة الزيتونة والأخريات”. كما عبر فاعلون عموميون آخرون عن مساندتهم لقناة نسمة، وتبنى كثيرون الرواية التي وفرها نبيل القروي لما حدث في ندوة صحفية قائلا: “الهايكا ليست سوى هيئة تنفذ تعليمات الحكومة والتي يزعجها صوت المواطن وعذاباته”.

ولكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه الحال، فإننا نحتاج إلى عرض سريع لتطور العلاقة بين الفاعل الأساسي في هذه الأزمة نبيل القروي والمسؤولين عن تعديل الإعلام الإذاعي والتلفزي بتونس.

غداة انهيار نظام بن علي في جانفي 2011، انطلقت عملية تفكيك منظومة التأطير والمراقبة لوسائل الإعلام والانترنيت، تم حذف وزارة الاتصال والوكالة التونسية للاتصال الخارجي، كما تم إيقاف صحف الحزب الحاكم “التجمع الدستوري الديموقراطي”، عن الصدور نهائيا، ثم تم حل الحزب بعد ذلك وإقرار حرية الإبحار في الانترنيت.

وبمفاقة غريبة، فقد تم الإبقاء على الأذرع الإعلامية للنظام المنهار بقرار من حكام تونس الجدد بعد الثورة، فتحولت القناتان الخاصتان “حنبعل” و”نسمة” اللتان كانتا وسيلة النظام المنهار في الدعاية لنفسه إلى منصّتين ثوريتين، دون أدنى نقد ذاتي، بل ادعيتا أنهما كانتا ضحايا النظام الديكتاتوري.

كما تحول قادة المعارضة بالأمس، والذين كانوا ممنوعين من الظهور على تلك القنوات، إلى ضيوف شرف في برامج حنبعل ونسمة، وهكذا تم إبرام الحلف غير الرسمي بين القادة الجدد والقناتين التلفزيتين، وهو الحلف الذي استغلته  القناتان للتمتع بحرية مطلقة على امتداد فترة الفراغ القانوني التي تلت الثورة.

في الديمقراطية، من الضروري إرساء نظام تعديل  للإعلام السمعي البصري عند تحرير البث، وفي تونس، كان هناك إخفاق تاريخي تمثل في تأخير إنشاء الهيئة العليا المستقلة للإتصال السمعي البصري بما سمح لهذه القنوات من الاستفادة من الحرية “الفوضوية” طيلة ثلاثة أعوام. أخيرا، تم إنشاء هذه الهيئة يوم 3 ماي 2013 بعد تجاذبات مضنية، لكنها لن تكون فعالة إلا في بداية 2014 بعد نشر كراسات الشروط الخاصة بعمل مختلف أنواع القنوات. غير أن ذلك كان متأخرا جدا، لأن “الشيطان كان قد خرج من العلبة”، وفق عبارة جياكومو مازوني، خبير الاتحاد الأوروبي للبث الإذاعي.

تحالفت قناتا حنبعل ونسمة ضمن النقابة التونسية لمديري المؤسسات الإعلامية وعددتا المخالفات مع تنديد كل منهما بالاتفاقية الأصلية الممضاة مع الدولة التونسية التي تمنعهما من بث أية برامج سياسية أو إخبارية، ثم شنت القناتان حربا ضد الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال، سلف الهايكا، بسبب قرارها  بمنع بث الإشهار السياسي، بالاتفاق مع الهيئة العليا المستقلة المكلفة بالانتخابات.

غير أن “هيجان” القناتين الحقيقي ضد الهيئة العليا سيكون خصوصا في شهر مارس 2014 بعد أن نشرت كراس شروط إحداث القنوات الخاصة، إذ نظمت قناتا نسمة وحنبعل برامج تلفزية متحاملة ذات اتجاه واحد أطلقت منها نيرانا كثيفة على الهايكا إلى حد شيطنتها، كما ضاعفت نقابة مديري المؤسسات الإعلامية ضغوطها عليها ورفعت دعوى في إبطال كراس الشروط أمام المحكمة الإدارية.

وفي يوم 7 جويلية 2014، خسر مديرو المؤسسات الإعلامية الخاصة دعواهم ضد الهايكا أمام المحكمة الإدارية، فكان رد فعلهم أن أعلن في اليوم الموالي ممثلهم في مجلس الهايكا محسن الرياحي استقالته، ومنذ ذلك الحين، أصبحت القطيعة بين نبيل القروي والهايكا تامة.

سوف تسجل قناة نسمة وجودها الدائم في المشهد التلفزي التونسي والمغاربي تحت سلطة باعثها ومديرها التنفيذي نبيل القروي الذي سوف يخترع لها عدة أدوار، فهي مرة “ستار أكاديمي المغرب العربي” ومرة “قناة المغرب العربي” ثم “قناة العائلة” مرورا بتسمية نسمة الحمراء، الزرقاء، الخضراء، المباشر، الرياضة…

لكن آخر ما عثر عليه نبيل القروي كان متفردا، فقد اخترع نوعا جديدا من تلفزيون الواقع، يمكن أن نسميه “تلفزيون النشاطات الخيرية”، إذ بعد وفاة ابنه خليل في حادث مرور مأساوي، أطلق نبيل القروي في مارس 2017 برنامجا خيريا باسم “خليل تونس” وفاء لذكرى ابنه. وفي ديسمبر 2017، منعت الهايكا هذا البرنامج من البث مدة شهر بسبب الظهور المتكرر لمالك القناة فيه، وتعهده المباشر بإيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية التي يتم تقديمها، ما يعتبر إشهارا لصورته الشخصية وهو ما يمنعه الفصل الخامس من كراس الشروط الذي ينص على منع استعمال القناة للإشهار أو الترويج لصاحب الترخيص أو لأي شخص آخر أو حزب سياسي.

تعمّد نبيل القروي ازدراء هيئة التعديل واستمر في بث برنامج “خليل تونس” متنقلا في الجهات الأقل نموا في تونس وموزعا بنفسه الأعطيات والوعود والعناق مع المستفيدين من كراماته، مع تصوير محكم لتلك المشاهد وتكرار بثها على قناته.

ولمن يراوده الشك في تأثير ذلك النوع من البرامج على الجمهور وخصوصا على الناخبين المحتملين، يكفي أن نلقي نظرة على سبر الآراء الأخير الذي أجرته مؤسسة أمرود كونسيلتنع في نهاية أفريل 2019، الذي يضع نبيل القروي في المرتبة الثانية لنوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية بعد رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، رغم أنه لم يعلن بعد عن ترشحه للانتخابات القادمة في نهاية 2019 ! إذن، من يمنع نبيل القروي من أن يحلم بتحويل ملايين المشاهدين إلى ناخبين له؟

ليس من قبيل الصدفة أن قناة نسمة تضم من بين المساهمين فيها مجموعة ميديا سات التي يملكها رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلسكوني، قطب الإعلام الذي أصبح أنموذجا يحتذى في مجال الوصول إلى السلطة عبر التلفزيون.

صحيح أنه منذ 2011، حمل باعثون آخرون في مجال الإعلام نفس الحلم وإن كان بحظوظ متفاوتة، وذلك إبان انتخابات 2011 مثل الهاشمي الحامدي عبر قناته اللندنية “المستقلة” الذي أحدث مفاجأة بالحصول على 27 مقعدا لحزبه في البرلمان، لكنه لم يقدر فيما بعد على الحفاظ على ذلك الإنجاز. أما العربي نصرة، باعث قناة حنبعل الذي أنشأ حزبا وقاد حملة للانتخابات الرئاسية في 2014 فإنه لم يجن سوى 0.2%  من الأصوات، وكانت وسيلته الانتخابية الأساسية هي برنامج “تلفزيون الأعمال الخيرية” في قناته لتلميع أمجاده الشخصية، لذلك، ربما يكون من صالح نبيل القروي أن يتأمل مثل تلك الخيبات ويستعيد بعض الواقعية.

ختاما، وجب التأكيد أن التداخل بين السلطة الرابعة والسلطة الأولى يؤدي إلى فساد الديموقراطية، وذلك في كل بلدان العالم. لذا يجب على وسائل الإعلام المحافظة على دورها في المراقبة المواطنية للسلطة، لأنها أقوى سلطة مضادة وأكثرها فعالية، كما يجب احترام هيئات التعديل العمومي المستقل مثل الهايكا (وقريبا ICA ) والدفاع عنهم بصفتهم ضمانة لحق المواطن في الإعلام الذي ينص عليه الدستور.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالنسخة الفرنسية للمرصد العربي للصحافة وترجم للعربية من قبل كمال الشارني

وسوم:

Share This