الباحث والصحفي محمد اليوسفي : التأريخ والصحافة، تقاطعات في الوظائف تحول التاريخ إلى خطاب متداول

29 يوليو، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالصحافة المتخصصة • المحرر(ة)

حقوق الصورة @yosrighoul

حقوق الصورة @yosrighoul

“إنّ تاريخ الزّمن الرّاهن فرض جنس صحافة التأريخ، التي باتت تمثّل رافدا رئيسيا لكلّ مؤرخ يروم البحث التاريخي من خلال النبش والكتابة في التاريخ القريب الساخن الذي لم يعد حكرا  أو وقفا تعود ملكيته الحصرية  للمؤرخين المحترفين من ذوي التكوين الجامعي المتخصّص، بل أضحى للصحفيين الاستقصائيين الشغوفين بالتاريخ وصانعيه من الشخصيات الوازنة والمؤثرة في مجرى الأحداث والحقب مساهمات فيه، مكتوبة أو مرئية، وهي بأيّ حال من الأحوال تقدّم شيئا ما للتاريخ حاضرا ومستقبلا”.

بهذا الاستنتاج، يؤكد الصحفي والباحث التونسي في التاريخ المعاصر محمد اليوسفي في دراسته الموسومة “في تقاطعات الصحافة وتاريخ الزمن الراهن: نحو مقاربة تأويلية جديدة”، أنّ التقاطعات بين الصحافة وتأريخ الزمن الراهن أضحت يوما بعد يوم متكاثفة ومتزايدة وفق التطورات السريعة في تكنولوجيا الاتصال والميديا، إذ لا يمكن فسخ العلاقة التكاملية بين الصحفي ومؤرخ الزمن الراهن بأي حال من الأحوال. وقد قدمت هذه الدراسة على هامش الجامعة الصيفية التي نظمها معهد الدوحة للدراسات العليا بين 3 و 7 جويلية 2017 والتي جاءت تحت عنوان “الباحث ومدونته”. وشارك فيها عدد من الباحثين وطلبة الدكتوراه وأساتذة من أقطار عربية عديدة ومن اختصاصات مختلفة من بينها الاعلام والتاريخ والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفلسفة.

ويشير اليوسفي في دراسته إلى أن وسائل الإعلام اليوم مكّنت التاريخ “بقامته الفارعة وهامته الأسطورية” من التحول إلى مادة سهلة يمكن قراءتها والاطلاع عليها من قبل الناس وذلك بفعل قدرة الصحافة على تحويل الخطاب التأريخي إلى خطاب متداول بين الناس، مستندا إلى العديد من الأمثلة مثل المؤرخ الحبيب بولعراس والكاتب الصافي سعيد وغيرهم، “فقد قامت الميديا الجديدة بإلغاء المسافة بين الماضي والحاضر” كما “انتاب المشاهدين احساس بأنهم يشاهدون الراهن وهو يتحول أمام أعينهم إلى تاريخ”، وفق تعبير المؤرخ فتحي ليسير الذي استشهد به محمد اليوسفي في دراسته.

وانطلق الصحفي والباحث في التاريخ في مقدمة دراسته من تساؤل حول مدى وجود تكامل وتداخل بين مهنة الصحفي ومهنة المؤرخ (مؤرخ الزمن الراهن) وذلك في ضوء ما وصل إليه العالم في العقود والسنوات الأخيرة من تحولات وتحديثات جوهرية طالت قطاعي الصحافة التاريخ بفعل الثورات التكنولوجية المترافقة مع “سياقات تاريخية انعطافية” تمر بها الدول والشعوب والحضارات مثل الثورات والحروب وتجارب الانتقال نحو الديمقراطية وغيرها. وبالقدر الذي تشكل فيه هذه السياقات أحداثا تاريخية تهم المؤرخ بالقدر الذي تمثل فيه أيضا مادة إعلامية وصحفية.

ويعرّف محمد اليوسفي تاريخ الزمن الراهن في دراسته انطلاقا من تعريف المؤرخ الفرنسي هنري روسو لهذا النوع من التاريخ، والذي يقول بأنه حقبة تاريخية محدودة بحضور الفاعلين التاريخيين الذين لا يزال معمهم على قيد الحياة، وبالتالي فهم يشكلون مادة/الاجتماعيين  تساعد على معرفة الماضي القريب، “لهذا عادة ما يكون تاريخ الزمن الراهن تاريخا تحت المراقبة، كما هو الحال بالنسبة للصحفيين اللذين يشتغلون على أحداث ساخنة وقضايا آنية” مثلما يقول محمد اليوسفي.

وبالرغم من الرفض الشديد الذي جوبهت به فكرة التداخل والتقاطع بين الصحفي ومؤرخ الزمن الراهن من قبل المؤرخين الأكاديميين، إلا أنها نجحت في التمأسس مع المؤرخ الفرنسي فرانسوا بيداريدا الذي أسس معهد تاريخ الزمن الراهن سنة 1978. ويضيف اليوسفي “فالرفض والازدراء الذي عانى منه تاريخ الراهن سرعان ما انفك يتهاوى تحت وطأة الطلب الاجتماعي الذي يحث على سبر أغوار الفترات القريبة زمنيا”، وبذلك أضحت الصحافة أحد الروافد الأساسية في التأريخ للزمن الراهن نظرا لخصوصية الصحافة التي تحتوي معطيات لا حصر لها من المعلومات والأخبار والإحصاءات والبيانات مثلما وضح ذلك اليوسفي.

وفي ما يتعلق بمستوى التأصيل لمفهومي الصحفي- المؤرخ وصحافة التأريخ، يذهب محمد اليوسفي إلى القول بأن مهنتي المؤرخ والصحفي قد عرفتا تطورات عديدة أثناء القرن العشرين كل مهنة على حدة. وبالرغم من رفض المؤرخين المحترفين الاعتراف بصحافة التأريخ، إلا أن الكتاب الصحفيين الشغوفين بهذا المبحث فرضوا هذا النمط من الكتابة خاصة في فترة الستينات، متى أصدر الصحفي “جاك لاكوتير” سنة 1963 سلسلة “التاريخ الفوري” عن دار “سوي”، وقد فاق انتاجها المائة عنوان. ومنذ تلك الفترة (أي النصف الثاني من القرن العشرين) بدأ عدد من المؤرخين في مراجعة مواقفهم إزاء صحافة التأريخ حتى أن المؤرخ “روني ريمون” ترأس لفترة طويلة لجنة الانتداب لدخول مركز تكوين الصحفيين في فرنسا.

ويتفطن الصحفي والباحث في التاريخ محمد اليوسفي في دراسته إلى أن الحدود بين الصحفي ومؤرخ الزمن الراهن لا تزال موجودة بالرغم من “سطوة الحضور الصحفي على تاريخ اللحظة في المنابر الإعلامية”. وينقل اليوسفي قراءات بعض المؤرخين لعلاقة التقاطع بين وظيفة الصحفي ووظيفة مؤرخ الزمن الراهن مؤكدا أنه “من الضروري التمييز بين الحدث من منظور الصحافي والحدث من منظور المؤرخ. فالصحفي هو مؤرخ اللحظة العابرة يهتمّ بالطوارئ والنوادر وأخبار الآحاد في حين أنّ المؤرخ هو الذي يهتمّ بأحداث أكبر أهمية، تلك التي تتولد عنها تطورات خطيرة” حسب المؤرخ والمفكر عبد الله العروي.

وأشار محمد اليوسفي في سياق نقاشه لتقاطعات الوظائف بين الصحفي ومؤرخ الزمن الراهي إلى أن المؤرخ الفرنسي فرنان برودال ميّز بين الصحفي والمؤرخ قائلا إن المؤرخ المحترف وحده قادر على وضع الحدث التاريخي ضمن سياقه طويل الأمد، كما أكد اليوسفي أن “المؤرخ المحترف وحده القادر على ضمان حدّ أدنى من الكتابة التاريخية العلميّة للرّاهن الفائر والمتحرّك”، لكن في المحصلة حسب محمد اليوسفي فإن كتابة التاريخ الراهن لم تعد حكرا على المؤرخ فقط بل إن الصحفيين الشغوفين بهذا المبحث أصبحت لهم مكانة في تقديم مساهمات لكتابة التاريخ.

وسوم:

Share This