الإنتاج التلفزي الرمضاني: تجاوزات بالجملة ومراقبة مشلولة

21 يوليو، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودة • المحرر(ة)

ajo moovie

يعدّ شهر رمضان في العالم العربي موسم الذروة في إنتاج الأعمال التلفزيونية المتمثّل أغلبه في الإنتاج الدرامي (المسلسلات) و البرامج الترفيهية وبرامج المسابقات والكاميرا الخفية.

ومع هذا الكمّ الكبير من الإنتاج ترصد مختلف الهيئات الناظمة لقطاع السمعي البصري في العالم العربي التجاوزات التي قد تشوب بعضا من هذه الأعمال، علما وانّ هيئات أخرى على غرار البرلمانات تتدخّل في هذا الرصد. فعلى سبيل المثال قرّر البرلمان المصري “متابعة الأعمال الدرامية وإيقاف من لم يحترم الضوابط الأخلاقية”. وذلك  بالرغم من أن قطاع الإنتاج الدرامي المصري يعتبر الأكثر تنظيما باعتبار أن الأعمال قبل عرضها على القنوات التلفزية  تعرض على الإدارة العامة للرقابة على المصنفات التابعة لوزارة الثقافة المصرية ثمّ وبعد العرض تمنح صلاحية الرقابة  للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والذي يعدّ الوحيد المخوّل له إيقاف أي عمل درامي “لا يراعي أو ينطوي على ما يمس قيم المجتمع الدينية والروحية والخلقية أو الآداب العامة أو النظام العام”.

لكن ونظرا للتجاوزات العديدة الحاصلة فإنّ الأمر وصل حدود رفع قضايا ببعض الأعمال وحسب مقال نشر في جريدة “صوت الأمّة” لعلاء رضوان بعنوان “المثلية الجنسية أبرزها.. اتهامات تلاحق الأعمال الدرامية في رمضان“،  ويقدّم المقال مجموع الأعمال الدرامية التي رفعت في شأنها بلاغات ودعاوي قضائية عقب بثها على القنوات التلفزية إلى جانب أعمال أخرى عرفت تنديدات من طرف جامعة الأزهر.

من بين هذه الأعمال نجد مسلسل «ريح المدام» الذي أثيرت في حقه قضية بتهمة التشجيع على المثلية الجنسية، بسبب أحد المشاهد  التي يقوم فيها أحد ممثلي المسلسل “بالانقضاض على ممثّل آخر ليمارس الجنس معه” وقدمت الدعوى ضدّ أبطال المسلسل والمخرج ونقيب المهن التمثيلية، ورئيس مجلس إدارة قنوات النهار، ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية،وقررت المحكمة رفض الدعوى بسبب تغيب مقيم الدعوى عن الحضور أمام هيئة  المحكمة.

مسلسل “كلبش” هو الآخر أثيرت في شأنه قضية بتهمة الإساءة لمهنة المحاماة  من خلال  الجملة التي قالها البطل في أخر المشهد وقبل نهاية المسلسل وهي : “مش فاهمين يعنى أيه يطلع عين أهلك عشان تمسك مجرم ويجي واحد بتليفونه يطلعه بره أو محامي بثلاثة ساغ يطلع ثغرة في القانون ويطلعه براءة”.

واعتبر البلاغ أن هذه الجملة هي في إطار الإهانة المتعمدة والاستهزاء والسخرية من مهنة المحاماة.

وللكاميرا الخفية نصيب أكبر من البلاغات خاصة برنامج ال  mbc «رامز تحت الأرض» الذي رفعت في حقه عدة قضايا منها تهمة الشروع في قتل الضيوف وهو ما دفع القناة الممولة لهذا البرنامج إلى الإعلان عن إيقاف إنتاجه في السنوات القادمة.

ونظرا لتعدد هذه التجاوزات صرّح رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري أنه سيتم إحالة التجاوزات الكثيفة للبرامج والأعمال الدرامية التي تعرض خلال شهر رمضان، إلى النائب العام، وأن المجلس سيحقق في أي شكوى ترد إليه بشأن تلك الأعمال.

كما صرّح، أنه سيتم إحالة المدانين إلى نقابتهم طبقًا للقانون، وأن النقابة هي الجهة المسؤولية عن محاسبة أعضائها، مطالبًاَ باحترام عقل المشاهد والحرص على قيم وأخلاقيات المجتمع.

جامعة الأزهر كان لها أيضا رأي في هذه الأعمال التي اعتبرتها مفسدة للصوم حيث أكد الشيخ محمد زكي بدران الأمين العام للجنة الدعوى بمشيخة الأزهر الشريف، أن” الدراما المصرية تسعى لإفساد صوم المسلمين حيث ينشغل العبد عن عبادة الله”.

ونظرا لأن الدراما المصرية تعدّ الأضخم في العالم العربي من ناحية عدد الإنتاجات فإنّ عدد التجاوزات هو الأكبر وهو ما دفع أيضا لجنة القوى العاملة بمجلس النواب المصري لمطالبة المجلس الأعلى للإعلام بضرورة التعجيل بوضع مجلّة أخلاقية تنظّم تناول الإعلام للقضايا الخلافية العربية، ليكون شأنه شأن ميثاق الشرف، للحد من التجاوزات غير الأخلاقية التي أصبحت منتشرة بالأعمال الفنية.

في تونس رغم أنّ إنتاج الأعمال الدرامية لا يعدّ مرتفعا مقارنة بمصر إلا أنّ الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري الهايكا رصدت تجاوزات عدّة وجهت على خلفيتها لفت نظر  لقنوات تلفزية خاصة منها قناة “الحوار التونسي” بخصوص مسلسل ” أولاد مفيدة ” الذي اعتبرت أنه يحتوي على مشاهد صادمة لبعض الفئات الحساسة من المشاهدين وخاصة منهم الأطفال، مثل العنف واستعمال الأدوات الحادة ومشاهد للدماء وهو ما قد يخلّف مشاكل نفسية عند هذه الفئات  خاصة وأن المسلسل يتم عرضه في وقت الذروة إضافة إلى أنّه الأكثر مشاهدة.

ومن الإجراءات التي اتخذتها الهيئة هو تغير وقت العرض إلى ما بعد الساعة العاشرة مساء، كما دعت إلى ضرورة كتابة ” هذا البرنامج يحتوي على مشاهد عنف من شأنها التأثير على الفئات الحساسة وخاصة الأطفال دون سن 12 سنة”، على كامل الشاشة وبخط واضح ولمدة 10 ثوان، و ذلك قبل عرض حلقة المسلسل، هذا إلى جانب وضع علامة أسفل الشاشة،  طيلة عرض الحلقة، تفيد أن البرنامج  ممنوع على من سنهم أقل من 12 سنة.

التجاوزات الحاصلة في الإنتاج الرمضاني شملت أيضا البرامج الكميرا الخفية حيث وجهت الهايكا  لفت نظر لقناة حنبعل بخصوص برنامج ‘الكلينيك’، والذي هو عبارة عن كميرا خفية تقوم على فكرة الإيهام باستدراج شخصيات مشهورة والقيام بتخديرها وإيهامها أنها تعرضت لتشوهات نتيجة خطأ طبي، لكن تبين فيما بعد أن مشاهد التخدير ليست حقيقية  ووقع الاتفاق على تجسيدها مسبقا مع المشاركين، وهو ما اعتبرته الهيئة مغالطة للمشاهد وما من شأنه المس من مصداقية مهنة الطب وأخلاقياتها ويلحق ضررا بعلاقة الطبيب بالمريض التي تقوم أساسا على الثقة إضافة إلى المس من مصداقية مهنة الطب وأخلاقياتها.

وطالبت الهيئة بوجوب وضع الجملة التالية على الشاشة وبخط واضح “المشاهد التي يتضمنها هذا البرنامج هي مشاهد تمثيلية” وذلك قبل بداية شارة البرنامج لمدة خمس ثوان وهو ما كان له تأثير كبير في تراجع نسب المشاهدة لهذا البرنامج الذي اتضّح انه مجرّد تمثيل.

في الجزائر التجاوزات التي تمّ رصدها شملت أيضا الكاميرا الخفية التي بثتها قناة النهار الإخبارية  تحت عنوان “رانا حكمناك” والتي استضافت في إحدى حلقاتها الروائي رشيد بوجدرة، وأثناء تقديم البرنامج تدخل رجال على أنهم من “رجال الأمن” واعلموا الضيف أنّه مفتّش عنه لتتطور الأمور إلى استفزاز الضيف وإجباره على اعتناق الإسلام والنطق بالشهادتين وهو ما دفع بوجدرة إلى الانفعال .

وأثار بثّ الحلقة جدلا واسعا خاصة من جانب المثقفين بعد ما اعتبروه إساءة للكاتب رشيد بوجدرة كما نفذّ عشرات من المثقفين والفنانين والإعلاميين والأكاديميين وقفة احتجاجية أمام مقر سلطة الضبط السمعي البصري بالجزائر العاصمة احتجاجا على “التجاوزات” التي تم تسجيلها خلال بعض البرامج الرمضانية على قناة (النهار) الخاصة.

واعتبر الكاتب رشيد بوجدرة، خلال التجمع انه تعرضّ للإهانة وأنه في حالة صدمة من الإساءة التي تعرض لها في برنامج (رانا حكمناك) الذي تبثه القناة.

ونظرا لهذه الردود السلبية قرّر مالك القناة أنيس رحماني وقف بث برنامج الكاميرا الخفية بصفة نهائية في حين عبرّت سلطة الضبط السمعي البصري في الجزائر عن تضامنها مع الكاتب لكنها وحسب رئيسها  زواوي بن حمّادي لا تملك في هذه الحالات صلاحية المعاقبة التي هي حاليا من مهام العدالة.

هذا وقد سبق لسلطة الضبط السمعي البصري أن وجهت في مطلع شهر رمضان الكريم نداء للقنوات التلفزيونية الجزائرية من أجل احترام “مبادئ الصالح العام” تفاديا “للانزلاقات” المسجلة خلال السنوات الماضية “.

وهكذا يتبيّن أنّ عديد التجاوزات تمّ رصدها في أكثر من بلد عربي وكانت السبب في وقف بثّ بعض الأعمال الدرامية قبل نهايتها.

وقد يكون إيقاف مسلسل “غرابيب سود” عند الحلقة 20 هو الأكثر جدلا في الساحة الدرامية العربية خاصة وان المسلسل هو عمل  مشترك من 7 دول عربية شارك فيه أكثر من 50 ممثل بتكلفة تقدر بـ10 ملايين دولار، ويروى المسلسل أحداث وقصص دراما مقتبسة عن أحداث واقعية، جرت داخل معسكرات تنظيم “داعش” في سوريا والعراق حيث يوضح الوسائل التي يستخدمها التنظيم للتواصل مع الشباب والفتيات في المجتمعات العربية والغربية والأساليب التي ينتهجها في الولوج إلى عقولهم عبر نقاط ضعفهم النفسية والاجتماعية والسلوكية بحجة الدفاع عن الدين الإسلامي، ويسلط الضوء على الجرائم الشهيرة التي ارتكبها، مثل إعدام 21 قبطيا في ليبيا وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيّا وبثّ صور هذه الجرائم على شبكة الانترنيت بجودة عالية.

ورغم الإقبال الجماهيري الكبير على هذا المسلسل قررت شبكة MBC  إيقاف بثّه فجأة عند الحلقة 20 دون تعليل هذا القرار. وانقسمت الآراء بين من يعتبر أن القناة تعرضت لضغوط من قبل حكومات وبين من يرجع السبب إلى غضب أهل الطيار الأردني معاذ الكساسبة من استغلال نهايته المأساوية، ومطالبتهم بوقف بثّ المسلسل.

وسوم:

Share This