الأخبار الكاذبة والمعلومات الخاطئة: بعض الأمثلة من أوروبا الوسطى والشرقيّة

6 يونيو، 2018 • آخر المقالاتأبرز المواضيعإدارة قاعة الأخبارالأخلاقيات والجودةالإعلام الرقميالتغطية الإعلاميّة • المحرر(ة)

صورة للغلاف الخارجي للكتاب/حقوق الصورة @AJO

بينما يقوم المتلاعبون بالرأي العام في الخارج بنشر الأخبار المزيفة في وسط و شرق أوروبا، انطلقت العديد من المبادرات لمكافحة مثل هذة الأخبار. و تشكّل بلدان أوروبا الشرقية أرضية مناسبة بشكل خاصّ لنشر المعلومات المضللة باستخدام تكنولوجيا المعلومات الحديثة حيث سيطر التلفزيون هناك على مدى عقود و كانت ثقافة قراءة الصحف ضعيفة إلى حدّ ما.

ووفقا لـ Dariya Orlova (مدرسة الصحافة بموهيلا، كييف) و Liga Ozolina (جامعة توريبا، ريغا) ، لا تزال أوكرانيا ودول البلطيق هدفا لهجمات مستمرة ضد التضليل الروسي. و في أوكرانيا ، يتم التحكّم في مثل هذه المعلومات الزائفة عن طريق “Stopfake” ، وهو مشروع تمّ تأسيسه في عام 2014 من قبل خبراء الإعلام والطلاب المحليين الشباب و مازال لدى فريق هذا الموقع الخاصّ بفحص الحقائق العديد من الأشياء للقيام بها. فعلى سبيل المثال،  قام فريق هذا الموقع  في ديسمبر 2017 بتصحيح القصص الروسية الكاذبة لبضعة أيام – بما في ذلك تصريح وكالة سبوتنيك للأنباء بأن المفوضية الأوروبية اتهمت الأمم المتحدة بنشر معلومات كاذبة عن انتهاكات حقوق الإنسان في شبه جزيرة القرم.

و كما تقول Orlova فمن بين هذه الأخبار الكاذبة الإعلان الوهميّ المنسوب للرئيس بوروشنكو المتمّثل في فصل دونباس من أوكرانيا بجدار. و كما تحفر القطرات المتواترة الحجر، تقترح كل يوم مثل هذه القصص للعالم الخارجي “تطبيع” ظروف ليس لها وجود في الواقع فقد بثت عدة قنوات روسية أنّ هناك موجة من السياح الأوكرانيين بشبه جزيرة القرم خلال عطلة نهاية أسبوع استثنائية و لكن وفقا لمصالح الحدود الأوكرانية، لم يعبر حتى نصف عدد الأشخاص المزعومين الحدود خلال تلك الفترة، بل كان العدد أقلّ من عدد السياح الموجودين خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة.

و علي صعيد اخر ففي بلدان شرق أوروبا الأخرى ، تنتشر الأخبار الكاذبة أحيانًا كالنار في الهشيم. فعلى سبيل المثال تم نشر تقرير كاذب أخاف الكثير من الناس في جمهورية التشيك وقد تناولته أيضا الميديا الاجتماعية، يتحدث عن سحابة مشعة من محطة فرنسية للطاقة النووية تهدّد بتلويث البيئة، وفقا لـ  Sandra Stefanikova (جامعة تشارلز في براغ ). و في جمهورية التشيك ، تبث مواقع غامضة مثل هذه الأخبار الكاذبة ويعمل معظم مشغليها في الخفاء، على غرار موقع “prvnizpravy.cz” ، وتقدّم نفسها على أنّها بوابات المعلومات “الحقيقية”.

ووفقا لـ Gabor Polyák (جامعة بيتش) و Michal Kus (جامعة Wroclaw في بولونيا)، تقوم المعارضة في البلدان الأكثر استقطابا سياسيا مثل المجر وبولندا بشكل دائم بإتهام إعلام الدولة العام التي تسيطر عليه الحكومة بنشر أخبار كاذبة. وتعتبر الانقسامات السياسية في كلا البلدين عميقة لدرجة أنّ الأحزاب المعارضة تتّهم بعضها باستمرار بنشر المعلومات المغلوطة. و في بولندا ، يقول Kus ، أنّه تبين من استطلاع للرأي في ربيع عام 2017 أنّ 43٪ من الصحفيين الذين شملهم الاستطلاع كانوا يتعاملون مع أخبار زائفة على مدار الشهر الماضي.

و في الوقت الذي لا تزال فيه معظم وسائل الإعلام الرئيسية في أوروبا الوسطى والشرقية تعتبر الأخبار المضللة للإعلام الروسي  تهديدا خارجيّا ، يقول Polyák أنه في غضون ذلك، في المجر، تولي  الإذاعة العموميّة الكثير من الاهتمام لإذاعات الدعاية الروسية لأنّ معظم وسائل الإعلام السائدة موجودة تحت سيطرة الرئيس Orban. ويؤكد مؤشر الهشاشة الذي نشر مؤخرا من قبل فريق المفكرين Globsec هذا التأثير الروسي. و وفقاً لهذا المؤشر، فإنّ المجر وسلوفاكيا معرّضتان بشكل خاصّ للتضليل الروسي.ّ

وفي رومانيا أيضا، ” لم يتمّ اختراع الأخبار الكاذبة حديثا”، حسب Raluca Radu، مديرة برنامج الصحافة في جامعة بوخارست، حيث يساهم العديد من السياسيين أكثر من قبل في وضع نظريات المؤامرة – ويتعرّض المزيد من الصحفيين والمواطنين لمثل هذه التلاعبات. فعلى سبيل المثال، صرّح Livizu Dragnea، زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم، أنّ المليادير جورج سوروس له روابط وثيقة مع المخابرات في رومانيا، كما هو الحال في دول البلقان الأخرى.

وتضيف Radu أنّ مدققي الحقائق ليس لديهم أي فرصة في رومانيا لمتابعة السياسيين الذي ينشرون الأخبار الزائفة  قضائيّا. وتستخدم أحيانا وسائل الإعلام العريقة تقارير كاذبة لمهاجمة بعضها البعض. ومن أجل إثبات مواهب الرومانيين كمبدعين للأخبار الكاذبة، أشارت الباحثة Ovidu Drobota إلى أنّه تمّ فبركة الخبر الكاذب الذي يقول بأنّ البابا فرانسيس دعّم ترشح دونالد ترامب للرئاسة – و هي القصة التي انتشرت كالفيروس مثل بعض القصص الأخرى.

محاربة الأخبار الكاذبة كموضوع للنقاش العام

من يتذكر الصور المركّبة للمستشارة الألمانية ميركل وعلى وجهها شارب أو الشعارات النازية لهتلر في اليونان والصحف التركية الشعبويّة لا ينبغي أن يتفاجأ أنّه حتى وسائل إعلام أوروبا الشرقية وألمانيا وأقوى امرأة في العالم الغربي، غالبا ما تكون هدفا لهجمات كاذبة. و تمثل ألمانيا مركزا جيدًا لإثارة مشاعر المخاوف والكراهية نظرًا لحجمها وقوتها الاقتصادية وتاريخها ، ففي شرق أوروبا ، على سبيل المثال ، تبنت “وسائل الإعلام البديلة” قصة تزعم أن الألمان على وشك السيطرة على أوروبا بأكملها واحتلال الدول المجاورة الصغيرة كما ذكرت تقارير Silvia Stöber ، التي تعمل لصالح “Faktenfindern” التابعة للمؤسسة السمعية العمومية الألمانيّة “Tagesschau“.

و يرتبط أصحاب نظريات المؤامرة ارتباطًا وثيقًا ببعضهم البعض. فهم يعتمدون وفق Stober ، على مصادر ألمانية بديلة  ويسعون في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الإعلام الألماني عن طريق الخطأ، أو يقومون بتحويل الاستطلاعات عبر الإنترنت إلى رأي ممثل للسكان. فعلى سبيل المثال، نقل موقع على شبكة الانترنت التشيكي استطلاعا أجرته مدونة سويسرية “Alles Schall und Rauch” ساهم في انتخاب Angela Merkel “أكبر  السياسيين الكاذبين لعام 2015”. و وفقا لـ Stöber ، تم تداول هذه المعلومات الكاذبة من قبل القناة العامة الإيرانية “Press TV“. وأفاد موقع مجري قبل انتخابات البوندستاغ ، في إشارة إلى استطلاع رأي مزعوم تمّ القيام به لدى قرّاء “Focus” ، أنّ حزب اليمين المتطرّف AfD حصل على نسبة موافقة تبلغ 70٪ في ألمانيا.

و ترى Sandra Stefanikova أنّ التربية الإعلاميّة والتعرف علي الأخبار الكاذبة بواسطة مدققي الحقائق المستقلين هي أهمّ الخطوات لإيقاف هذا الفيضان. ويتمّ حتى الآن تكريس بعض المنّصات المستقلة وعدد قليل من مجموعات الفيسبوك للقيام بهذه المهمّة. كما أنّها تشكّ في أنّ هذه الظاهرة منتشرة أيضا خارج المدن الكبرى وخارج مجموعات محددّة لها مستوى تعليمي مرتفع ومهتمّة بالسياسة. ففي الجمهورية التشيكية، هناك “شائعات تقول بأنّ الفيسبوك يريد أن يفعل شيئاً للتصدي للأخبار الكاذبة” ، لكن حتّى الآن لم يحدث شيء. وتضيف: “لا يوجد للفيسبوك أو التويتر مكتب في جمهورية التشيك ، بإستثناء قسم التسويق”.

و وفقا للباحثين الذين تمّت محاورتهم فهذا يعني أنّ “الروبوتات” الاجتماعية التي يمكن أن تكتب وتحبّ وتتبادل الرسائل على نطاق واسع وتساهم في تشويه الآراء في الميديا الاجتماعية – نادرا ما يتمّ التفطن إليها علنا ​​في البلدان المذكورة. ففي حالة الجمهورية التشيكية ، تشكّ Stefanikova في أنّ هذا يرجع أيضا إلى لغة البلد ، والتي لا يمكن أن تكون تلقائية بسهولة. ففي بولندا ، يوضح Michel Kus أنّ النقاش لا يزال يرتكز على “العامل البشري” ، بما في ذلك المتصيدون. وأشارت Dariya Orlova ، التي نشرت مؤخراً مع زملائها ورقة بحثية حول “الروبوتات” الاجتماعية ، إلى مدى صعوبة إثبات تأثير الإجابات الالكترونيّة (Bots) في أوكرانيا.

كما يشكّ مراقبو وسائل الإعلام في أوروبا الوسطى والشرقية في أن مستخدمي وسائل الإعلام في بلدانهم أقل تأثرا وتأثيرا بصعود الكرملين الروسي من جيرانهم الغربيين. وقد تفطّن Reid Standish، الذي يعمل في مجلة “Foreign Policy” والمسؤول عن روسيا وأوكرانيا وآسيا الوسطى، إلى ارتفاع حجم المعلومات الكاذبة والدعاية منذ احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم  في دول البلطيق وبقيّة دول أوروبا الشرقية وفنلندا. وتعتبر فنلندا الأكثر جاهزيّة لمقاومة مثل هذه الهجمات، وذلك بفضل نظام التعليم العامّ القويّ وسياسة الحكومة التّي تتفاعل مع هجمات الدعاية بطريقة عاديّة ومهنيّة. ويعتبر تاريخها الطويل كدولة مجاورة لروسيا وسيلة تدفع البلاد مراراً وتكراراً لمواجهة المحاولات الروسية للتأثير علي الرأي العام.

و يقول Jed Willard من جامعة هارفارد إنّ أفضل طريقة للدفاع عن نفسك هي عدم تصحيح المعلومات الخاطئة، بل “معارضة ذلك بقصة إيجابية”. وقد عمل Willard كمستشار الحكومة الفنلندية حول هذه القضايا حيث عمل علي دراسة تساعد على فهم السبب في انتشار الأخبار الكاذبة كالفيروس، واقترح برنامجا للتصدي لهذة الدعاية. وفي الوقت نفسه ، أنشأ الاتحاد الأوروبي فريقه الخاصّ من الخبراء لوضع استراتيجيات لمكافحة التضليل الإعلامي. ومازال الاتحاد يحاول تحقيق مكاسب وقد بدأ العمل من خلال عملية التعهيد الجماعيcrowdsourcing  و هي عملية الإستعانة بالجماهير للحصول علي المعلومات، حيث أبدي المواطنون وأصحاب المؤسسات وأصحاب القرارات آرائهم واقتراحاتهم حتّى يوم 23 فبراير2018.

وفي ذات الوقت من ناحية الجبهة الأوكرانية، ذكرت Dariya Orlova ، أنّ عددا من “الأخبار الكاذبة المتعبة” قد انتشرت ولا يعدّ هذا الموضوع حديث العهد. في كل الحالات، يأمل خبراء الإعلام بأوكرانيا أن يفهم الغرب أخيرًا خطر الأخبار المضلّلة.

و قد نشر معهد رويترز للدراسات الصحفية بجامعة أكسفورد مؤخرا “وثيقة معلومات” عن الأخبار الكاذبة بأوروبا. وحاولت هذه الوثيقة أن تقدّم آثار الأخبار الكاذبة بطريقة مقتبسة، و يرتكز هذا التحليل على فرنسا وإيطاليا. و وفقا لهذا البحث، لم يصل عدد مستخدمي المواقع الإخبارية المزيفة خلال العام الماضي إلي أكثر من 3.5 ٪ من العدد الإجمالي لمستخدمي الإنترنت كل شهر، إذ أنّ عدد معظمهم كان أقلّ من 1٪ من العدد الإجمالي للمستخدمين، مما يعني أن تأثيرهم لا يتجاوز تأثير وسائل الإعلام التقليدية كماّ يعتبر الوقت المستغرق في مثل هذه المواقع محدودا.          

ملاحظة: هذا المقال هو مقتطف محيّن من كتاب المؤلف الجديد “Die informierte Gesellschaft und ihre FeindeWarum die Digitalisierung unsere Demokratie gefährdet ” (المجتمع المطلع وأعداؤه ، لماذا تهدد الرقمنة ديمقراطيتنا؟) ، كولونيا: هربرت von Halem Verlag. الباحثون الخمس المذكورون في المقال هم أعضاء بالمرصد الأوروبي للصحافة Gabor Polyák (https://en.ejo.ch (جامعة بيكس ، المجر) ، Dariya Orlova (مدرسة الصحافة بموهيلا ، كييف) و Raluca Radu (جامعة بوخارست ، رومانيا) ، Liga Ozolina (جامعة توريبا، ريغا) و Sandra Stefanikova (جامعة تشارلز ، براغ).

وسوم:

Share This