إيثوبيا الأمة العربية في مراحل الاتصال الجماهيري الثلاثة لدى العرب

18 ديسمبر، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعالأخلاقيات والجودةالإعلام الرقمي • المحرر(ة)

حقوق الصورة@AlJazeera

على وقع الأحداث الأخيرة والمتعلقة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اعتزامه نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والتي أثارت ردود أفعال رسمية وشعبية واضحة في جل الدول العربية، طرحت مرة أخرى مسألة ”القومية العربية“ في الإعلام العربي، خاصة وأننا في مرحلة الاتصال الرقمي التي نعيش وقعها اليوم، والمتسمة بالتواصل الافتراضي القائم على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. ويبدو من الوجيه طرح مسألة ”الوحدة العربية“ كفكرة من زاوية إمكانية بقائها من عدمه داخل المخيال العربي في الحقبة الاتصالية الحالية.

فجر الصحافة المكتوبة وتشكل ”الوعي العروبي“

عالج الباحث وأستاذ الحضارة العربية بجامعة ليون 2 ـ لوميار، إيف غونزالس كيخانو هذا الطرح من خلال العودة إلى بدايات ظهور مفهوم”الأمة العربية“ وتداوليته في الإعلام العربي بمختلف فتراته في دراسة عنوانها”بقاء الإيثوبيا العربية في زمن التواصل الكوني“. فكيف تطور مفهوم”الأمة العربية“ في سياقات الحقب الاتصالية التي مر بها العرب منذ ظهور الصحف المكتوبة وصولا إلى العصر السيبيري؟ وهل لا يزال العرب إلى اليوم ـ ومع الفيسبوك وتويتر ـ يعيدون انتاج هذه الفكرة في تعبيراتهم الاتصالية على تلك المواقع؟

لقد أشار ميشيل فوكو في كتابه”أركيولوجيا المعرفة“ إلى أن المفاهيم لها أصول وبدايات، ومن خلالها يمكن تفكيك تلك المفاهيم وتمثلها بالشكل الأسلم. ووفق هذا المنهج علينا العودة إلى الفترة الثالثة من القرن الـ19 للوقوف عند ظهور”الأمة العربية“ كمفهوم له خلفية حضارية وجيوسياسية واضحة ومتأصلة لكن الفضل في تداوله يعود إلى الصحافة. فقد أدى انتشارالصحف في الشرق العربي وشمال إفريقيا وتزامن ذلك مع قدوم البعثات الأجنبية ومن بعدها الاستعمار إلى إشعاع مفهوم العروبة بشكل كثيف خاصة مع المواجهات المتصاعدة ضدّ النفوذ العثماني والمترافق مع صيحات النهضة العربية.

يستشهد إيف غونزالس كيخانو في هذا السياق بما كتبه الباحث”بنديكت أندرسون“ عن دور المطبوعات المكتوبة في إشعاع فكرة القوميات في أمكنة كثيرة من العالم ومن بينها ”العرب“ الذين استغلوا عامل اللغة العربية المنشرة بسبب الدين الإسلامي وعمموا فكرة العروبة. ولم يخل ذلك التعميم من خلفيات عديدة لعل أهمها أهداف مشروعي النهضة: الوحدة العربية أو الوحدة الإسلامية، وميل كل مشروع منهما إما إلى كفة العلمانية والتحديث وإما إلى المحافظة على التراث الديني واعتماد الإسلام نظاما للدولة وخلفية للوحدة، وقد ظهر ذلك بوضوح في كتابات كل من جرجي زيدان وفارس الشدياق وأنطوان فرح كمناصرين لأمة عربية ”لائكية“ أما رشيد رضا ومحمد عبه فقد ناصرا مقولة ”الحل في الإسلام“.

وقد وجدت كتابات رواد النهضة العربية ورواياتهم صدى لها داخل جمهور قارئ لا يزال يبلور موقفا من العالم المحيط وسط تحولات عميقة تتمثل في الحداثة ذاتها. زد على ذلك أن تلك الفترة تميزت بتشكل الوعي القومي العربي الذي تعرض لـتنشيط من قبل قوى خارجية مستعمرة سواء عثمانية أو غربية. ولا يمكن لمشهد تكشيل الوعي القومي العربي في تلك الفترة أن يكتمل دون التعريج على كتابات عبد الرحمان الكواكبي الذي التحق بصحيفة ”الفرات“ في أواخر القرن التاسع عشر وسنه حينها لم تتجاوز الـ22 عاما.

”صوت العرب“ و”الفيديو كاسات“ وفكرة الأمة المتخيّلة

هزيمة 1967 ومن بعدها موت الرئيس جمال عبد الناصر والمطربة أم كلثوم (وقد كانا فعلا من رموز وحدة المجال العربي داخل المخيال الجمعي) وفشل بعض التجارب الوحدوية بين العرب (مصر وسوريا، ليبيا وتونس، وغيرها) أدت كلها إلى تراجع فكرة المشروع العربي الموحد وترك المجال أمام تشكل ما يسمى ”الدولة الأمة“ والتي وإن لم تكن متجذرة بالشكل المطلوب إلا أنها نجحت في الانتصاب وبسط النفوذ. ولم يستفد أي تيار من هذا المستجد سوى التيار الإسلامي الذي أسس دعايته على ضعف الرابط القومي أمام الرابط الديني من ناحية، وتكفير السلطة القُطرية من ناحية أخرى.

وقد اجتهد الإسلاميون في فترة أواخر السبعينات في الدعاية للثورة الإسلامية الإيرانية التي استعملت الإعلام والصحافة كي تنجح (الأشرطة المسجلة خاصة). ومثلما ساهمت وسائل الإعلام والتواصل الجماهيري (راديو، صحف) في تشكيل وعي عروبي عابر للقُطرية فإن الوسائل ذاتها قد أصبحت أداة لتغييب فكرة الوحدة العربية شيئا فشيئا عن الجماهير وأصبح الإعلام أداة في صالح السلطة لتثبيت نفوذها على المجال الجغرافي القُطري، وبالتالي كانت جل وسائل الإعلام مراقبة وخاضعة للإدارة الرسمية بشكل أو بآخر.

لكن في نهاية عقد الثمانينات وبداية التسعينات عادت حركة الأفكار والمضامين الإعلامية إلى التحرر النسبي نتيجة ضغط حاجة السوق لأن تتوسع باستيراد الأشرطة السينمائية والموسيقية والألبومات والأفلام الجديدة وقد هيأ انتشار قارئ أشرطة الفيديو ذلك وسمح بتداول نماذج وأنماط مختلفة من الثقافات بين الجماهير. وقد ترافق هذا الانفتاح مع السياسات الجديدة التي تبنتها بعض الدول العربية تحت ضغط المنظومة الاقتصادية العالمية وانتشار النموذج الاستهلاكي الذي أصبح عنوانا لمرحلة السوق المفتوحة والمشجعة على الاستهلاك.

”الأمة العربية“ في عصر التواصل العابر للقوميات

طبعا في عشرية الثمانينات ظهرت وسائل إعلام تحمل معها نظرة”العروبة” مثل ظهور صحف عربية في المهجر على غرار ”الحياة اللندنية“ و”الشرق الأوسط“ و”العرب“ اللندنية وغيرها. لكن الحدث الإعلامي اللافت هو ظهور الفضائيات بداية التسعينات، وذلك مع شبكة السي أن أن CNN (في حرب الخليج الأولى) وما تلاها من فضائيات عربية كـ”الجزيرة“ سنة 1995 وغيرها… لكن هذا التحول بلغ ذروته في العقد الأول من الألفية الثالثة وبالأساس بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والحرب على أفغانستان ثم العراق.
وفي الحقيقة فإن هذا التطور يدخل ضمن نطاق ”النظام الرقمي الجديد“ وهو نظام ظهر مرتكزا إلى ثلاث ثورات: واحدة في الإعلامية وأخرى في تقنيات الاتصال والثالثة المجال السمعي البصري. وقد كان تأثير الإنترنت في هذه الحقبة الجديدة يماثل تأثير الآلة الطابعة والدوريات المكتوبة في بداية عصر النهضة العربية.

لكن هذه الطفرة الرقمية الحديثة والتي سرعان ما انتشرت بين المستعملين العرب لم تؤثر على فكرة ”الأمة العربية“ حتى وإن أصيبت هذه الفكرة ببعض التشويش أو الضبابية في أذهان المستخدمين إلا أنها راسخة بشكل أو بآخر. ويرى الباحث ”إيف غونزالس كيخانو“ أن تطور الفضائيات العربية أدى إلى قدرتها على الترويج لخطاب جديد أججته الحرب على أفغانستان. و”كانت شاشة الجزيرة من أكثر الفضائيات العربية التي تداولت مقاطع الفيديو التي كان أسامة بن لادن يسجلها، الأمر الذي استفز الولايات المتحدة ودفعها إلى تبني خطاب معاكس لما تبثه الجزيرة، كما دفع بأمريكا أيضا إلى ”محاربة“ الجزيرة حتى بالمعنى العسكري حيث قصفت القوات الأمريكية ستوديوهات الجزيرة في كابول أكثر من مرة“.

أدت الحروب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على أفغانستان والعراق إلى إعادة تشكيل ”الفكرة العربية” وتجديد مجال تدولها و”تغذية ترميزها“ حسب تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. وقد وجدت فكرة ”الأمة العربية“ الإيثوبية وسائل التواصل الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعية مجالا لبلورتها في صياغات تواصلية عديدة تقوم حولها التفاعلات المختلفة. وقد ساعد على ذلك تضمن تلك الوسائل لتقنيات بسيطة ومتاحة (حتى من ناحية اللغة العربية) وإتقان المستخدم العربي لتقنيات استعمال الحاسوب التي دخلت في المناهج الدراسية خاصة في العشرية الأولى للألفية الثالثة.

وسوم:

Share This