هل تهدّد تكنولوجيات الاتصال اللغة العربيّة؟

12 يونيو، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعاقتصاد الإعلامالإعلام الرقمي • المحرر(ة)

Ouvrage

تؤكد الإحصائيات أنّ  90%  من محتوى شبكة الأنترنت محرر باللغة الإنجليزية، و %85 من الاتصالات الدولية عبر الهاتف تتم بالإنجليزية أيضا، وأنّ أكثر من 70 % من الأفلام التلفزيونية والسينمائية التي تنتج، متوفرة بالإنجليزية، و %65 من برامج الإذاعات في كل العالم تذاع بالإنجليزية. ممّا يدفعنا إلى التساؤل عن مدى صمود لغتنا العربيّة أمام هذه الهيمنة اللغويّة.

في كتاب جديد صدر تحت عنوان ” العولمة الثقافية وتكنولوجيات الاتصال: محددات إيبيستيمولوجيّة وتداعيات سوسيوثقافيّة”،  تطرقت الدكتورة ليلى فيلالي، أستاذة محاضر بقسم الدعوة والإعلام والاتصال بجامعة الأمير عبد القادر بالجزائر، إلى ارتباط التطورات التكنولوجية لوسائل الاتصال بما يحدث على مستوى المجتمع من تغير ثقافي واجتماعي، آخذة بعين الاعتبار الاتصال الثقافي بين الدول المتقدّمة والدول النامية في عصر العولمة.

وممّا لاشك فيه أننا نشهد اليوم تقلّص المسافات بين الثقافات الإنسانيّة المختلفة وتداخل المرجعيات والمعتقدات فيما بينها بفضل الثورة التكنولوجية لوسائل الاتصال والمعلوماتية، حيث أكدّت الباحثة أنّ العالم تحوّل إلى سوق عالمية فيها مجال واسع لتدفق الرسائل الإعلامية والاتصالية. وساهم وجود مناطق التبادل الحرّ في سهولة تدفق المنتوجات الثقافية الكونية في جميع أنحاء المعمورة، بما أنّ توسيع الأسواق عند هذا المدى هو في حدّ ذاته محاولة لإقامة ثقافة عالمية. فيتراءى للفرد أنّ تلك البنى القيمية الثقافية والاجتماعية  المغلقة على ذاتها قد اندثرت في خضم حملة التجديد والتفتح على الآخر و الوقوع تحت رحمة العلوم التقنية المتطورة في ميدان الاتصال. وذكّرت الدكتورة فيلالي أنّه “إذا كانت الثورة الفرنسية قد غيرت العالم سياسيا واجتماعيا وأعطت قيمة للإنسان من خلال شعارها الحرية العدل المساواة، فإّن الثورة التكنولوجية للاتصال قد وجهت العالم صوب نسق قيمي جديد نسبيا في بعض ملامحه عن طريق فعل اتصالي بدون حدود”.

وأشارت المؤلفة إلى أنّ الثقافة هي واقع اجتماعي نخضع لديناميكيته وتعقّده لأنّها تمّثل أحد عناصر البنية الاجتماعية. وهي المدعم للسلوك الفردي داخل المجتمع حيث أّن النظرة الماديّة لكل ما يحيط بنا، جعلت الأشخاص يكتسبون نمطا ثقافيا جديدا يعزز النزعة الاستهلاكية لديهم. ونتحدّث بالتالي عن مجتمع الاستهلاك الذي تطور بفضل الوسائل التكنولوجية الحديثة.

كما ساهمت التكنولوجيا في تنامي ظاهرة الفردانيّة بعد أن تحول المنطق الفرداني إلى منطق تكنولوجي. وتعتبر هذه الفردانية الجديدة ضحية التطور الذي أدمج الأفراد في شبكة من العلاقات الآليّة المعقدة. وإن كان البعض يرى أنّ في الجلوس على انفراد أمام شاشة الحاسوب يساهم في بناء شكل جديد من الروابط الاجتماعيّة، فإنّ الكاتبة قد أكدّت أن الفرد قد أصبح تابعا لجهاز الحاسوب الذي كثف العلاقة بينه وبين مستخدمه دون إعارة الاهتمام للروابط الاجتماعية التي تعد دعامة المجتمع، وإهمالها وإقصائها إلى حدّ تحولها إلى علاقات آلية )علاقة الفرد بالآلة عوضا عن علاقته مع الفرد (. بل إنّ الفرد قد أصبح مبرمجا وفق متطلبات الآلة مع غياب الأحاسيس. ورغم ذلك لا يمكن أن ننفي الدور الذي أصبحت تلعبه التكنولوجيا خلال حياتنا اليوميّة.

إلى جانب ذلك، يساهم الامتداد الثقافي في التأثير على القيم، ممّا جعل عالمنا اليوم  “ذو طبيعة كونية، تعمره، لأول مرة في التاريخ البشري، حضارة ذات صبغة عالمية قاهرة. وهذه الحضارة، بما حملت من إمكانيات تكنولوجية، وبما خلفت من قيم جديدة، عرضت القيم الحضارية للمجتمعات البشرية المعاصرة إلى هزات وانتكاسات.  وضاقت معها سبل الخيار، لما تعرضه من نموذج حضاري وثقافي مفروض. وتحولت معها كثير من القيم الاجتماعية والثقافية باتجاه العالمية”. ممّا أسس لحضارة عالميّة بعد أن انتقلت الثقافة من بعدها النخبوي إلى بعدها العامّ، وازدادت معها فرص واستقبال القيم العالميّة الصادرة عن مجتمعات غربية تنصّب نفسها وصية على المجتمعات الأخرى، بل إنّ هذه المجتمعات حاولت أن تؤسس نموذجا قيميّا ثقافيّا واجتماعيّا يتأثر به كل الأشخاص في العالم على اختلاف

أجناسهم وأعراقهم وهواياتهم. وقد نجحت بعض البلدان الغربية في نشر قيمها الثقافية والاجتماعية عن طريق فعل الامتداد مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي صنعت من كوكا كوكا (Coca Cola) وماك دونالد (McDonald) منتوجات ثقافيّة عالمية للأجيال.

وتعتبر اللغة العربية إحدى المقومات الجذرية التي تؤسس الهوية الثقافية فهي” لا تعتبر وسيلة للتواصل والتفاهم بين المجموعات البشرية فقط، بل هي الأداة المعبرة عن قيمها وثقافتها وانتمائها وهويتها ، فللغة الأثر البالغ في تشكيل الهويّة، والتي هي بعبارة أخرى ذات وماهية وحقيقة أية جماعة، في تميزها عن الجماعات الأخرى”. وقد وقعت اللغة العربية بدورها تحت تأثير العولمة الثقافية مع هيمنة اللغة الإنجليزية بالمجتمعات الغربية والعربيّة. وأشارت الكاتبة إلى أنّ تضاعف أشكال الاتصال وأنماطه عبر الزمن هو من أهم العوامل الفعالة في انتشار اللغات في العالم واقتحامها للحدود الدولية. حيث تنوعت اللقاءات بين البشر بفضل التطور التكنولوجي الذي أزاح الحدود واختصر المسافات بين الأفراد.

كما اقترحت الباحثة بعض الطرق للحفاظ عليها وتطويرها في عالم اجتاحته تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية، نذكر من بينها: مضاعفة فرص التواصل بين الأفراد بالعالم الافتراضي، ضمان حضور اللغة العربيّة بمحركات البحث بالإنترنت، الخ.

ما ذكرته الدكتورة ليلى الفيلالي في كتابها يدفعنا إلى النظر في أطر العلاقات الرابطة بين دول العالم النامي والدول المتقدّمة في مجال الاتصال الثقافي، لأنّ بنية النظام العالمي السياسي والاقتصاديّ والتكنولوجيّ هي التي تحدّد القوى الثقافية المهيمنة.

 

 

وسوم:

Share This