ماذا تفعل وسائل الإعلام الصينية في أفريقيا؟

6 مايو، 2017 • آخر المقالاتاقتصاد الإعلامالإعلام والسياسةنماذج اقتصاديّة • المحرر(ة)

télécharger

يعدّ توسع المنظمات الإعلامية الصينية في القارة الأفريقية وبتمويل من الحكومة المركزية في بكين ظاهرة جديدة، ويمكن أن يكون الهدف الرسمي من هذا التوسع متمثلا في بعث صوت جديد داخل المشهد الصحفي الأفريقي. وقد أنتجت تلك الوسائل الإعلامية الصينية عدة تقارير عن أفريقيا، وبجودة عالية جعلت العمل الإعلامي الصيني يتمايز عن وسائل إعلامية أخرى مثل الـ”بي بي سي” و”الجزيرة” و”سي أن أن”. وتعد التقارير الميدانية التي أنتجتها وسائل الإعلام الصينية شكلا من أشكال “صحافة التنمية” وذلك بالتعاون مع صحفيين محليين يهمهم خلق صورة إيجابية عن أفريقيا.

لكن، وفي دراسة قام بها الباحثان “إيجيليو غالياردوني” من جامعة “ويتواترسراند” بجنوب أفريقيا و”نييري بال” بجامعة “فيريخ” بأمستردام، ظهرت قراءة أخرى للظاهرة تنطوي على نوع من التناقض في العمل الصحفي الصيني في أفريقيا. فقد أكدت هذه الدراسة والتي حملت عنوان “تحرر لكنه غير كاف ؟ الصحفيون الصينيون يجدون موطئ قدم بأفريقيا”.

يتشكل التواجد الصحفي الصيني في أفريقيا في مستويين إثنين: الأول يظهر في خلق وسائل إعلام صينية بأفريقيا في مستوى عال من الجودة والتنافسية ويتحدى وسائل الإعلام الأجنبية الأخرى الموجودة. وفي مستوى ثان فإن الصين تستعمل الإعلام كأحد وسائل القوة الناعمة الصينية في العالم، فالحديث عن إعلام صيني في أفريقيا هو ـ ضمنيا ـ حديث عن تواجد الصين في العالم.

وقد أكد الباحثان في الدراسة أن الهدف من التقارير الصحفية الصينية عن أفريقيا يتمثل أساسا في إرضاء المتقبل الصيني الذي يهمه التعرف إلى الفرص الاقتصادية ومجالات العمل الجديدة. فالاستثمارات الصينية في البنية التحتية والفلاحة والمعادن تعد من أكثر المواضيع متابعة لدى القارئ الصيني حول أفريقيا.

وبين عامي 2012 و2014، قام الباحثان “غالياردوني” و”بال” بسلسلة من المحادثات المعمقة مع صحفيين سابقين وحاليين من المتحدثين باللغة الصينية والإنجليزية في كل من نيروبي وأديس أبابا وهراري وأيضا مع المحررين في بكين. وقد كشفت المحادثات المعمقة مع الصحفيين أنه لا توجد روابط وثيقة بين المراسلين الصينيين والصحفيين الأفارقة المحليين. وبالرغم من أن العمل الجماعي ضروري في هذه الحالات، إلا أن الاختلاف الثقافي والخلفية الشخصية يلعبان أدوارا أكثر أهمية من العمل التشاركي.

إن الفروقات بين الصينيين والأفارقة تكمن في كيفية النظر إلى العمل الصحفي من حيث المبدأ، فالمراسلون الصينيون يرون العمل الصحفي في أفريقيا مرتكزا إلى الصحافة الموحدة والمُمأسسة مع الاحتفاظ بزاوية نظر “صينية” مهيمنة على نقل الأحداث. أما الصحفيين الأفارقة فهم ينتهجون مقاربة أكثر بساطة وحينية وذلك في تطابق مع تراثهم الصحفي. وكشفت الدراسة أيضا أن هناك نوعا من التسلط والتوجيه الممنهج على الصحفيين المحليين لإنتاج ما يريده الصينيون.

وتتجسد المسافة بين المراسلين الصينيين والصحفيين المحليين في ثلاثة عوامل رئيسية: أولها هو عدم وجود مصلحة ذاتية في القيام بأعمال صحفية استقصائية من قبل الصينيين في أفريقيا، لأن ذلك مرتبط بترقيتهم الإدارية في الصين وبالتالي فمن المخاطرة القيام بنشاط صحفي ربما يضع المصالح الصينية في خطر. أما العامل الثاني فهو متعلق بهيئة التحرير في الصين، فالصحفي الصيني لا ينشر مباشرة، بل يمر عمله على عدة مراحل للتعديل أو ربما رفض النشر وذلك وفق معايير تحريرية ومؤسساتية دقيقة. والعامل الثالث يكمن في اختلاف العمل الصحفي الصيني عن نظيره المحلي عبر عامل تقنيات العمل، فالتقارير الصينية تميل إلى النموذج الغربي في خلق ديناميكية في التقارير التي يتم بثها مع الإثارة ونقل أنباء سلبية أو محايدة عن الواقع الأفريقي لجذب جمهور جديد بشكل دائم ولخلق تنافسية دولية.

صعود الإعلام الصيني في أفريقيا

وجبت الإشارة إلى أن بعث وسائل إعلام صينية في أفريقيا له خلفية اقتصادية، ففي العقد الأخير مولت الحكومة المركزية الصينية وسائل إعلامها بمبالغ تراوحت بين 2  و9 مليار دولار، ومن بين تلك الوسائل الإعلامية نجد وكالة شينخوا للأنباء وتلفزيون الصين المركزي وإذاعة الصين الدولية وصحيفة الشعب اليومية وصحيفة تشاينا دايلي.

إن دخول وسائل الإعلام الصينية في أفريقيا ليس مظهرا من مظاهر تطور الصحافة على مستوى العالم، بل هي انعكاس للأزمة الهيكلية التي تعيشها الصحافة العالمية، فقد أصبح الإعلام جزءا من استراتيجيات الدول في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في العالم.

إن تطور وسائل الإعلام الصينية في أفريقيا هو مؤشر قوي على تحولات جيوسياسية تضع الصين في واجهة الساحة الدولية. وهذا ما يضع وسائل الإعلام والصحافة الصينية في مفترق طرق: إما تطوير صحافة متميزة وذات جودة لخدمة الجمهور، أو اتباع ما تمليه الحكومة المركزية في بكين وفق معادلة أنباء صينية لجمهور صيني.

ملاحظة: نشر هذا المقال بـالموقع الإيطالي للمرصد الأوروبي للصحافة في إطار درس إقتصاد الإعلام وإدارة قاعات الأخبار وترجم من قبل سيف الدين العامري

حقوق الصورة @CNN

وسوم:

Share This