تونس: إعانة الدولة للصحافة بين تكرّر الوعود وغياب التفعيل

5 أكتوبر، 2018 • أبرز المواضيعاقتصاد الإعلامنماذج اقتصاديّة • المحرر(ة)

نشر موقع “بيزنس نيوز” بتاريخ 19 سبتمبر 2018، خبرا يعلن فيه أن الحكومة التونسية قررت في اليوم ذاته اتخاذ إجراءين اثنين لصالح الصحافة المكتوبة ورقية والكترونية، الأول يتمثل في تحمل الدولة كلفة مساهمة أرباب الصحف في الضمان الاجتماعي عن عمالهم والثاني في إنشاء مركزية للإعلانات العمومية، بما هي طلب عبر عنه مهنيو القطاع وخصوصا الجامعة التونسية لمديري الصحف.

سوف نرجئ مؤقتا مناقشة محتوى الإجراءين، لنذكّر أن مثل هذا الخبر نشر مرارا في وسائل الإعلام التونسية منذ 2016، بنفس الصيغة الخبرية تقريبا.

فقد نشر موقع كابيتاليس بتاريخ 23 جويلية 2016 خبرا بعنوان: “رئيس الحكومة يتخذ إجراءات عاجلة واستثنائية للصحافة المكتوبة”، فقد قررت حكومة الحبيب الصيد وقتها التكفل بمساهمة أرباب الصحف في نظام الضمان الاجتماعي لؤجرائها لمدة خمس سنوات، مع تفصيل مهم يقوم على إعادة جدولة ديون المؤسسات الصحفية لدى صندوق الضمان وتمكين العاملين بها من الاستفادة من القروض الاجتماعية. وتبعا لهذا الخبر، هددت النقابة العامة للإعلام بالإضراب العام بسبب تمسك أصحاب الصحف برفض إمضاء الملحق التعديلي للإتفاقية المشتركة لسنة 2015، وهو ما جعل عمال هذا القطاع يتساءلون عما إذا كانت الحكومة تستجيب لضغط أصحاب المؤسسات الإعلامية لمساعدتهم بالمال العام دون النظر إلى مدى احترامهم لأدنى تعهداتهم تجاه عمالهم.

وبتاريخ الثاني من جوان 2017، نشر موقع آخر خبر أون لاين خبرا بعنوان: “الصحافة المكتوبة: اتفاق على تكفل الدولة بمساهمة الأعراف في النظام القانوني للضمان الاجتماعي لمدة خمس سنوات”، دون أي تذكير بأصل المنشور الصادر عام 2016 في نفس المجال. وجاء في هذا الخبر أن اجتماعا تم في مقر الحكومة جمع كل من الطيب الزهار والعروسي بن صالح عن جامعة الصحف ومحمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية ومفدي المسدي بصفته مستشارا لرئيس الحكومة، وأسفر الاجتماع عن نفس الإجراءات التي ذكرت في خبر 2016 مع إضافة حول دعوة جامعة مديري الصحف إلى عقد اجتماع مع وزير المالية لبحث آليات تنفيذ تمويل صندوق الدعم للصحافة المكتوبة ثم اجتماع ثان مع نقابة الإعلام لبحث إمضاء الملحق التعديلي للزيادات في أجور العاملين في قطاع الصحافة لعام 2015.

ولم تتوقف غرابة علاقة الصحافة المكتوبة بهذا المنشور الحكومي عند ذلك الحد، فبتاريخ 20 سبتمبر 2017 نشر موقع “اسباس ماندجر” في نسخته الفرنسية خبرا نترجمه حرفيا: “الصحافة المكتوبة: صندوق الضمان الاجتماعي يساعد الصحف على مواجهة المصاعب المالية”، وجاء في الخبر أن فريقا من مديري الصحف التقى الرئيس المدير العام لصندوق الضمان الاجتماعي الذي كان مرفوقا بمساعديه لتفعيل قرار تكفل الدولة بدفع نصيب أرباب الصحف في الضمان الاجتماعي لعمالهم ابتداء من الثلاثية الثالثة من عام 2017.

الغريب أننا لم نجد في بحثنا في المقالات المنشورة عن أصل هذا المنشور الحكومي أو مرجعيته القانونية والإدارية أية تفاصيل للاستفادة منه إذا تجاوزنا العبارة الفضفاضة الواردة في خبر موقع كابيتاليس: “مع العلم بأن المؤسسات المنتفعة بهذا القرار يشترط فيها احترامها للتشريعات الجاري بها العمل في مجالات الشغل والضمان الاجتماعي والضرائب إضافة إلى التزامها بالضوابط المهنية وأخلاقيات المهنة” دون أي توضيح لمقاييس ضبط هذه القيم أو المواصفات أو الجهة المخولة بالنظر فيها. ولم نجد تفسيرا لتكرار الحديث عنه بصفته حدثا، إنما يبقى خبرا منقوصا من حيث نتائجه، حيث لم نعرف قائمة في المؤسسات التي ستستفيد منه ولا عددها ولا عدد العاملين فيها، ولا الحدود الزمنية لتنفيذها، خصوصا حين يذكر خبر “بيزنس نيوز” الأخير إدماج مؤسسات الصحافة الالكترونية فيها.

وبعد أن استعرضنا الترتيب التاريخي المتكرر لهذا الحدث والذي يبدو فيه خبر “بيزنس نيوز” كأنه استعادة أخيرة لحدث بلا استتباعات إدارية ولا خلفية تاريخية، من المهم أن نبحث في وجاهة وشرعية مثل هذا المنشور الحكومي في “مساعدة مؤسسات الصحافة المكتوبة والالكترونية” واحتمالات أثره الإيجابي على قطاع الصحافة المكتوبة.

إن تفعيل هذا المنشور يقوم على الأخذ من مال دافعي الضرائب للقيام مقام أرباب المؤسسات الإعلامية بحجة أن هذه المؤسسات الخاصة ذات مصلحة عمومية تتمثل في توفير تعددية إعلامية ثرية ومختلفة التناول لجمهورالشعب. لكن مثل هذا المبدأ النبيل يحتاج الكثير من الدقة في تعريف المؤسسة الإعلامية وتعريف عمالها من صحفيين وتقنيين، على أن تكون هذه الدقة أو شروط الاستفادة من هذا المنشور الحكومي معلومة للجميع، لكي يذهب المال العام حقا إلى مؤسسات إعلامية لديها مشاريع مهنية صناعية واحترام للقوانين السارية وليس لتمويل مؤسسات فاشلة أو منتحلة لصفة المصلحة العمومية تبحث عن المال أيا كان مصدره ثم التخلي عن عمالها في مشاهد مآس اجتماعية أصبحت تتكرر هذه الأيام.

يأتي بعد ذلك، مطلب يتمسك به أرباب الصحف منذ زمن بعيد، وهو إنشاء مركزية للإشهار العمومي، وهو مطلب يعيد إلى الأذهان التجربة المقيتة لوكالة الاتصال الخارجي في توزيع الإشهار العمومى حسب ولاء الصحف للنظام وتأديب من يخرج منها عن تعليماته بمهاجمة خصومه ومدح أوليائه، بالإضافة إلى أن مركزية الإشهار العمومي تتعارض من حيث المبدأ مع ما تقوم عليه الصحافة منذ أن ظهر الإشهار بصفته موردا ماليا أساسيا لوسائل الإعلام، وهو مدى انتشار وسيلة الإعلام وتأثيرها في الجمهور حتى لا تنفق الدولة أموال دافعي الضرائب على مؤسسات تنشر صحفا لا يقرأها حتى أصحابها لعدم بذلها أي جهد في تطوير محتواها أو انتداب الخبرات المهنية الحقيقية وإعطائها الأجور التي تستحقها. لقد كانت موارد الإشهار عمومية أو خاصة مكافأة طبيعية للنجاح المهني المتمثل في نيل رضا أكبر عدد من الجمهور على أن تتكفل هيئات مستقلة أو عمومية بمراقبة احترام القانون في العمل الصحفي.

وأيا كان أصل الخبر حول تفعيل المنشور الحكومي بتكفل الدولة بدفع مساهمات أرباب الصحف في الضمان الاجتماعي لعمالهم، فإن مثل هذا الاختيار يطرح أسئلة بديهية تتعلق بتعريف المؤسسة الإعلامية ومدى احترامها للقوانين السارية وخصوصا احترام مواثيق العمل الصحفي وتشغيل المختصين، وهي مسائل لا يمكن مناقشتها إلا في إطار تشريعي بديل للمرسوم 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

وسوم:

Share This