إعادة تشكل التعبيرات والسلوكيات الثقافية زمن الرقمنة في دول المتوسّط

26 ديسمبر، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيعاقتصاد الإعلامالإعلام الرقميالصحافة المتخصصةنماذج اقتصاديّة • المحرر(ة)

صدر مؤخرا مؤلف جماعي يضمّ البحوث المقدمة بمناسبة الملتقى الدولي الملتئم بجامعة بجاية، الجزائر، في نوفمبر 2015 تحت عنوان «إعادة تشكل التعبيرات الثقافية زمن الرقمنة في المتوسّط».ويندرج هذا المؤلف في سياق التطور الذي يشرّع للوجاهة العلمية والمجتمعية للمسألة الثقافية زمن الرقمنة.

علاوة عن ذلك، ترمي الإشكالية المطروحة في هذا الملتقى إلى تنزيل الثقافة المتوسطية بمختلف تفرعات أشكالها التعبيرية صلب الحوارات التي تدور في الفضاءات الاجتماعية موضع اهتمام هذه الدراسة العلمية.

أحدثت تقنيات الإعلام والاتصال الحديثة تحولا جذريا في أساليب الإنتاج و تقاليد الاستهلاك تفشي أنماط سلوكية لمواد ثقافية، وقد ساهمت هذه التغييرات المستجدة بفعل الرقمنة في بروز علاقات تفاعلية جديدة بالشأن الثقافي لدى أهم الفاعلين وذلك من خلال أحكام الربط بين المبدع، بفضل أشكال تعبيراته الثقافية الجديدة من ناحية، وبين جمهور متسم بسلوكيات ثقافية جديدة من جهة أخرى.

وبالفعل غالبا ما انساقت التعبيرات والسلوكيات الثقافية وراء التطورات الحاصلة في مجال التكنولوجيات المستخدمة في وسائل الإعلام و الفنون… وما نعاينه من تطور تقني يفسر مسارا حيويا للتجديد المستمّر لهذين الملمحين للعمل الثقافي، مؤديا إلى حصول ثورة في القطاع بشكل عام.

ويؤكد هذا المسار التحديثي كذلك ديمومة التحولات التي يشهدها قطاع الثقافة بوصفه تعبيرا وممارسة. وبفضل ما تتيحه الوظائف المنجرّة عن الثورة الرقمية (خدمات، الملتيميديا، التفاعلية، الآنية، التعاونية، اللامادية، الارتباط التشعبي، والتنقلية)، تسارع نسق التحولات المتصلة بمجالي الإبداع والعرض بشكل ملحوظ وصولا إلى إعادة تشكّل حقيقية للتعبيرات والسلوكيات الثقافية.

إن ما اتفق عليه من هنا فصاعدا في مجال البحث حول هذا الموضوع هو أن نتساءل عمّا توفّره وسائل الاتصال الحديثة من إسهامات قيمة لفائدة الحقل الثقافي ، وذلك من خلال ما يلاحظ من تغييرات حاصلة في الشأن الثقافي من سلوكيات وإبداع واستهلاك وملكية المواد الثقافية عبر المحامل والأدوات الرقمية، وفي ذات الوقت نتساءل عن الدور الاجتماعي لهذه التحولات.
وتشمل هذه الرؤية أيضا تحليل تطورات علاقة مستخدم الأداة الرقمية بالشأن الثقافي، بما يستدعيه ذلك من إعادة تحديد مواقع كل من المبدع والمتلقي تفاديا لكل تجاوز قد يحصل في العلاقة بين الطرفين، وتحديدا بين المبدع المبتدئ والمبدع المحترف، ومن جهة أخرى بين الجمهور الفاعل والمبدع الهاوي.

ما تفيده الملاحظة الحسية لقابلية تبادل الأدوار في العلاقة بالثقافة بعد تنزيلها في إطارها هو أنها كانت دوما محل اهتمام الباحثين، وذلك بدراسة امتلاك الجمهور لأنشطة مستحدثة ذات صلة بالثقافة، وهو ما أتاحته تعبئة الوظائف الرقمية أمثال الرقمنة والإبحار والبرمجة والدمج والتوزيع والتعبير والتعاون والنقل والوساطة…

ويعدّ الفضاء المتوسطي بالفعل محل معالجة علمية في عديد التجارب والبحوث المتعددة الاختصاص، لا سيما في ما يتعلق بالمسائل ذات الصلة بمجالي الاتصال والثقافة. ولابدّ هنا من ملاحظة أمر هام يتمثل في أن ظاهرة ما اصطلح عليه ب”الربيع العربي” لم تتغافل عن إدراج ثقافات الحوار بشكل أو بآخر، ويتجلّى ذلك بالخصوص في التساؤل حول مدى مساهمة تقنيات الإعلام والاتصال الحديثة في نشأة أشكال تعبيرية وتعبوية جديدة.

ويعتبر هذا التساؤل أحد تمثلات هذه الظاهرة، لاسيما أن إسهامات هذه التقنيات الجديدة لوحظت بشكل بارز في السلوكيات الثقافية المستجدة عند الشبان، خاصة عبر الفنون الرقمية.

وتناول مؤلفو هذا البحث مختلف مكونات الثلاثي المتمثل في الثقافة والفن والرقمنة:

– تولى القائمون على هذا البحث سبر أغوار الأساليب الجديدة للإبداع وأشكال التعبير الثقافية المستجدة، وذلك بمعاينة الوظائف الرقمية والمنصات المستخدمة من قبل المبدعين في مسارات ابدعاتهم وتثمين المادة الثقافية بمختلف تمثلانها (الفنية والتراثية، والتي لها علاقة بالألسنية والهوية)

– تمت دراسة السلوكيات الثقافية الجديدة بالتأكيد على بروزها بوصفها مناخا جديدا لأنماط استهلاك المواد الثقافية الرقمية. وتهدف هذه الدراسة إلى اكتشاف ما تولد لدى المستخدمين من علاقات جديدة تربطهم بالمحامل الإنتاجية وأدوات نشر المادة الثقافية.

– أبرزت الدراسات المنجزة ما ينجر عن تقاليد العرض والاستهلاك الجديدة من انعكاسات، مثل الممارسات الفعلية لجمهور المستخدمين وميولاتهم ومدى تواتر إقبالهم على الاستخدام وتوسع رقعة المستعملين وتطابق ملامح المتلقي مع مثيلاتها لدى المستخدم، ومن ذلك أيضا ما يتعلق بدراسة مدى وفاء المتلقي أو السلوكيات غير المنتظمة، أو ثقافة تشارك المعلومة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ومن ضمن أهداف هذا المحور كذلك محاولة فهم انعكاس الرقمي على السلوكيات الثقافية التقليدية (التجديد، التوسعة، الدعم، الحذف أو التحديث…).

من جهة أخرى اتجه الاهتمام إلى الوجوه الجديدة من المبدعين في مجالات المهارات الفنية والثقافة الرقمية وقدرتهم على الإبداع، بالإضافة إلى تحديد العلاقة بين المبدع الهاوي والمبدع المحترف. كما شمل التحليل موضوع التغيير الحاصل في موقع الفاعل الثقافي ومسارات الإنتاج «الآثار الثقافية» ومرافقتها وتوزيعها وكذلك تنمية الأحداث الثقافية.

– إن الوعي بالمخاطر المرتبطة بالرقمي يفسر بالمراهنة على عناصر الثقة والخصوصيات الثقافية والتلاحق الثقافي. ولا يفوتنا أن نذكّر بأنّ انخراط الثقافة بشكل ملحوظ في الانترنيت غالبا ما يصحبها خطاب تحذيري من مخاطر هذا الانخراط، وذلك بتعميق النظر في الرهانات المتعلقة بالأمن وحرية المستخدم بوصفه مبدعا أو بوصفه متقبلا من خلال تقييم المضامين وعدم الكشف عن هوية المتخاطبين والتثبت من المصادر وأحكام السيطرة على المادة الأرشيفية.

– شمل هذا الوعي المزدوج كذلك إحكام النظر في مجالي بناء التراث ووسائطه، وتمثل ذلك في إدراك التحولات الرقمية التي تفتح الباب أمام التزامات وتنمية معارف جديدة وانتاجات تفاعلية مع جمهور المستخدمين وبتشعب تعقيدات رهانات الأنماط الجديدة للإنتاج داخل حدود بلد ما أو عابرة للحدود في مجالات التراث والذاكرة الجماعية.

– نتج عن ظهور الانترنيت إعادة تشكل قطاع الصحافة الذي أضحى يتفرع إلى أشكال تعبيرية جديدة أدرجت مبادرات فردية عبر عناصر رقمية مثل «صحافة المواطن» أو «الصحافة التشاركية» كما ضمت هذه التعبيرات مؤسسات إعلامية انخرطت في مسار إنتاج الأخبار، وهي مؤسسات تسمى إطلاقا «الصحافة الالكترونية».

بالرغم من الطابع غير المستقر للنماذج الاقتصادية التي أعطت دفعا قويا للمواقع الالكترونية إنتاجا ونشرا تجدر الملاحظة أن التعبيرات الثقافية تتموقع تموقعا جيدا صلب وسائل الإعلام الجديدة، وذلك من خلال إتاحة الفرصة لتثمين القطاع الثقافي أو لإبرازه للعيان في بعض المنصات.

وشهدت الدراسات المقارنة التي تناولت تجارب قادمة من ضفتي المتوسط دفعا ملحوظا، وذلك بتوجيه التحليل نحو الملامح التقنية مثل النفاذ إلى تقنيات الإعلام والاتصال الحديثة ورقمنة المواد الثقافية والعمل على نشر الثقافة الرقمية والسياسات الثقافية بالإضافة إلى المسائل المتعلقة بالقرصنة وغيرها.

ويحرص المؤلفون على تناول مختلف الشعب الثقافية الأكثر استخداما في وسائط تقنيات الإعلام والاتصال الحديثة، مثل الإبداعات الأدبية والفنية والصناعات الثقافية والتراث المادي واللامادي ووسائل الإعلام.

يأتي هذا المؤلف في ثلاثة أجزاء متكاملة ومترابطة متضمنة لتمثلات تطور التعبيرات والسلوكيات الثقافية زمن الرقمنة في دول المتوسط، من ذلك العلاقة بين الفن الرقمي والممارسات الثقافية وكذلك وسائل الإعلام الالكترونية والمناهج المتبعة في مجالي الثقافة والإعلام في عصر الرقمنة، فضلا عن روابط الشأن الثقافي بالمخزون التراثي.

ولا يفوتنا أن نؤكد أن هذا المؤلف اعتمد مقاربة متعددة الاختصاص من خلال إجراء تحقيقات ميدانية، وهو ما سمح بالنفاذ إلى الواقع المعيش في إطار بحوث شملت عينات محددة تم تنزيلها في إطارها بشكل يسمح بدراسة الظواهر المرتبطة بالثقافة المرقمنة في المتوسّط بصفة معمقا.

ملاحظة: نشر هذا المقال بالمرصد العربي للصحافة في نسخته الفرنسية وترجم من قبل الحبيب بن سعيد

وسوم:

Share This