الجزائر: سلطة ضبط السمعي البصري بين طموحات النصّ ومحدودية الصلاحيات

7 سبتمبر، 2017 • آخر المقالاتأبرز المواضيع • المحرر(ة)

أحدثت سلطة ضبط السمعي البصري في الجزائر بعد الانفجار الهائل على مستوى القنوات الإذاعية والتلفزية الخاصة، لتقوم بدور السلطة المنظّمة لهذا القطاع والضامنة لحرية الاتصال السمعي البصري ولاحترام  الأخلاقيات المهنية وكرامة الأفراد.

لكن وبعد أكثر من ثلاثة سنوات على انطلاق عمل سلطة الضبط السمعي البصري عاد الجدل من جديد حول جدوى هذه السلطة، خاصة عقب الوقفة الاحتجاجية التي قام بها العشرات من المثقفين والفنانين والإعلاميين والأكاديميين، أمام مقر سلطة الضبط، احتجاجا على “الإساءة” التي تعرض لها الكاتب رشيد بوجدرة في قناة النهار الإخبارية في إطار مقلب تلفزيوني.

للتذكير، لقد تم استقدام الكاتب  إلى مكان التصوير على أساس إجراء حوار حول تجربته الأدبية ثم  فجأة يدخل الأستوديو رجلان يفترض أنهما من الأمن. يقدم أحدهما لمعدّ البرنامج مذكرة أمنية تتعلق بالتحقيق مع بوجدرة، ويتوجه إلى الروائي متهماً إياه بالتخابر مع جهات أجنبية وبالإلحاد، حيث كان بوجدرة قد صرّح بإلحاده في برنامج سابق.  ثمّ يستنطقه هذا الممثل بشكل ترهيبي. وحين يضحك الروائي، ينهره ويتهمه بالاستخفاف من رجال الأمن ويلي ذلك تعنيف مادي ومعنوي للكاتب.

خلّفت هذه الحادثة تململا  في الأوساط الثقافية الجزائرية بالخصوص، إذ أدان الكثير من الكتّاب والمثقفين الجزائريين واجتمعوا ليوقّع عدد كبير منهم بياناً مفتوحاً يندد بما تعرّض له  الكاتب الكبير، مطالبين باتخاذ إجراءات حازمة ضدّ مرتكبي هذا السلوك العنيف والمشين.
ردّ سلطة الضبط لم يتأخّر كثيرا لكنه لم يتجاوز حدود إصدار مجلس السلطة بيانا  أدان فيه “التصرفات المنتهكة لأحكام مدونة أخلاقيات المهنة” مبديا تعاطفه التام مع الكاتب رشيد بوجدرة بسبب ما تعرض له في برنامج الكاميرا الخفية.

كما شددت سلطة الضبط على “وجوب تفادي القذف والسب والعنف بشتى صفاته في برامج الكاميرا الخفية (التي يقع أصحابها) تحت طائلة تطبيق قوانين الجمهورية “. مذكرة بتحذيرها عشية الشهر الفضيل القنوات بضرورة تفادي مثل هذه الممارسات واحترام المواطن بالدرجة الأولى.

في المقابل بدت سلطة الضبط عاجزة عن اتخاذ أية إجراءات تجاه القنوات المخالفة واكتفت بدعوة المواطنين الذين قدموا شكاوى ضد بعض القنوات التي صورتهم دون دراية منهم بطريقة استهزاء بعيدة عن روح الفكاهة بالالتجاء إلى القانون. حيث دعا رئيس سلطة الضبط زواوي بن حمادي “أنه على الأشخاص المتعرّضين للإساءة عبر القنوات التلفزيونية الخاصة، التقدّم بشكوى والضغط على هذه القنوات من خلال اللجوء إلى العدالة”.

عجز سلطة الضبط السمعي البصري في التحكم في مشهد إعلامي متضخّم يتجاوز عدد قنواته  التلفزية الخاصة الخمسين قناة دون احتساب القنوات العمومية دفع وزير الاتصال جمال كعوان إلى التصريح  بأنه يتعين على  السلطة تحمل مسؤولياتها التي أحدثت من اجلها وهي تنظيم القطاع والعمل على الحدّ من التجاوزات الحاصلة فيه. وهو تصريح يتعارض مع مقتضيات النصّ القانوني الذي أحدثت بموجبه الهيئة  والذي جعلها محدودة الصلاحيات حسب تصريح لرئيس سلطة الضبط الذي قال  أن إدارته “تتدخّل فقط في حال تسجيل «تجاوز خطير» يمس أساساً برموز الدولة”.

بموجب النظام الأساسي لهذه السلطة تعدّ تركيبة المجلس من العوامل التي تحدّ من عملها وذلك من خلال  محدودية الاستقلالية الممنوحة لها على مستوى التعيين وعلى المستوى المالي والإداري للسلطة التنفيذية حيث تضمّ تركيبتها تسعة أعضاء يتم تعيينهم بمرسوم رئاسي وينصب رئيسها  من قبل الوزير الأول وفقا للقانون 04-14 الصادر يوم 24 فيفري 2014 المتعلق بالنشاط السمعي البصري.

أما في مجال تسوية النزاعات أوكلت لسلطة الضبط مهمة التحقيق في الشكاوى الصادرة عن الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية و/أو الجمعيات وكل شخص طبيعي أو معنوي آخر يخطرها بانتهاك القانون من طرف شخص معنوي يستغل خدمة الاتصال السمعي البصري، لكن في المقابل فان مجلس السلطة لا يملك الآليات التي تخوّل له معاقبة وسائل الإعلام المخالفة ولا يحق له حتى إصدار لفت نظر في حال وجود خلل ويكتفي المجلس فقط بإصدار بيانات وتوصيات تدعو إلى  “وجوب  تفادي القذف والسب والعنف بشتى صفاته في برامج الكاميرا الخفية (التي يقع أصحابها) تحت طائلة تطبيق قوانين الجمهورية”، أو إصدار تحذير للقنوات التلفزية بضرورة تفادي مثل هذه الممارسات واحترام المواطن بالدرجة الأولى.

رغم أنّ  الهيئات المكلفة بتنظيم قطاع الإعلام هي الضامن لحق ممارسة الإعلام دون تدخّل من السلطة والضامن أيضا لحق المواطن في إعلام حرّ يحترم الفرد وكرامته،  فبوجود سلطة تضبط الأمور من شأنه أن يحمي قطاع الإعلام من التجاوزات التي قد تحيد به عن هدفه لكن  في الجزائر رغم وجود السلطة لكنها تفتقر للآليات الكافية للتدخّل لحماية المهنة وحماية الصحافيين إلى جانب السهر على تقديم مضمون إعلامي يحترم أخلاقيات البرمجة التلفزية.

وسوم:

Share This